الخميس، 10 سبتمبر 2015

لغتنا المصري اللي عملناها و عملتنا


المرة اللي فاتت أنا إتكلمت عن فروق أساسية موجودة بين اللغة المصري و اللغة العربي، و من أهم الفروق دي هي إن اللغتين بينتموا لعيلتين لغويتين مختلفين حسب بنية الجملة؛ في ناحية، اللغة المصري لغة تحليلية (Analytic language) بتعتمد على ترتيب الكلمة في الجملة عشان تحدد وظيفتها إذا كانت فاعل أو مفعول، وفي الناحية التانية، اللغة العربي لغة تركيبية (Synthetic language) بتعتمد عالإعراب عشان تحدد وظيفة الكلمة، فرق كمان بين اللغتين، الجملة الفعلية المصري بتبتدي بالفاعل و بتمشي على الصيغة [فاعل-فعل-مفعول (Subject-Verb-Object (SVO)] مع ثبات الصيغة و ده زي البنية الإنجليزي (وكتير من اللغات الغربية) لكن الجملة الفعلية العربي بتميل في الغالب للبداية بالفعل و للصيغة [فعل-فاعل-مفعول Verb-Subject-Object (VSO)]  مع وجود ليونة في بُنا الجملة وجواز البداية بالمفعول.

لكن إيه اللي خلانا إحنا المصريين نتكلم كدة و خلى العرب يتكلموا كدة؟ إيه بيخلي لغة تتشكل بإنها تكون تحليلية أو تركيبية؟ و إيه اللي بيخلي لغة تتشكل إنها ثابتة في بنيتها ولغة لينة، أو بتقدم الفاعل على الفعل (SVO) أو العكس (VSO)، و الأهم، هو ده ليه تأثير علينا إحنا البشر واللا دي موضوعات تخص اللغوين بس و إحنا مالناش دعوة؟

في تصورين للإجابة:
١- المعالجة الدينية المطلقة للموضوع و اللي بتقول : ربنا عايز كدة، و طبعا العربي هو الصح أو الأحسن لأن ده لغة القرآن و "هي لغة سيدنا آدم " و باقي اللغات غلط لأن أصحابها مش بيتكلموا اللغة اللي ربنا نزلها على آدم أول البشر.
٢- المعالجة العلمانية النسبية للموضوع و اللي بتقول : اللغة هي منتج بشري بتأثر و بتتأثر بمحيطها، فعشان نفهم طبيعة لغة لازم نبص على طبيعة المجموعة البشرية اللي بتتكلمها و جغرافيتهم وتاريخهم.
 
الخط العام للمقال بيتبنى الأسلوب التاني في التفكير؛ هبتدي الأول بمثل عام يوضح إزاي اللغة بتأثر علينا و على أسلوب تفكيرنا و بعدين  هعرض لرأي د. زكي نجيب محمود في لغة العرب و الفرق بينها و بين اللغات الغربية و بعدين هعرض إزاي إحنا المصريين عملنا لغتنا و إزاي لغتنا هي كمان عملتنا.

عالم اللغة
اللغة مش حاجة نازلة من السما ولا حاجة، ولا هي أداه فايدتها التفاهم بين البشر و بس. اللغة هي أداة بتتشكل نتيجة للجغرافيا و لتاريخ و إستجابة المجموعة البشرية لمحيطها و أسلوب تأثيرها فيه، و اللغة زي مابتتأثر بينا كبشر بترجع من غير مانحس تأثر هي فينا و بتدرب ذهننا و بتطبع فينا مهارات و أسلوب تفكير خبرات تاريخنا و جغرافيتنا الطويل.

أغلب الأبحاث اللي بتتكلم عن موضوع تكوين اللغة و تأثيرها علينا بتكون inter-discipliner يعني بتحتاج دراسة كذا مجال: فلسفة، تاريخ ، أنثروبولوجي ، علم نفس و طبعا لغويات. دلوأتي بدأ كمان عُلمات ال cognitive science (علوم الإدراك*) إنهم يدرسوا الموضوع ، و ده اللي ضاف شوية أدلة علمية تجريبية على دور اللغة فعلا في تشكيل فكرنا. واحدة من المتخصصين في الموضوع ده هي د. ليرا بروديتسكي ** واللي ليها دراسات في مجال اللغة و تأثيرها عالإنسان. ليرا بروديتسكي بتقول إن موضوع تأثر و تأثير اللغة على التفكير البشري ده لاحظه علمات اللغويات و الأنثربولوجي من زمان لكن دراستها بتقدم نتايج تجريبية تأييد اللي وصلّوا العلما قبل كدة. انا هعرض مثل من دراسة ليرا بروديتسكي بيبين إزاي الإختلافات البسيطة بين قواعد اللغات ممكن ينشط أو يموت وظايف معينة في مخنا.

اللغة و تأثيرها علينا عند ليرا بروديتسكي و بوصلتنا الطبيعية
معروف إننا لما بنيجي نحدد الإتجاهات الأصلية بنستعمل بوصلة أو عن طريق الشمس أو عن طريق النجوم، المثل اللي هعرضه من دراسة ليرا بروديتسكي بيوري إن مخنا فيه بوصلة بس إحنا مش عارفين، بمعنى إننا نقدر نحدد الإتجاهات الأصلية من غير مانستعمل حاجة، لكن البوصلة اللي في المخ دي مش شغالة عند أغلب البشر و السبب اللغة. ليرا بروديتسكي لقت قبيلة في أستراليا لما بتيجي تنسب الحاجات مكانيا مش بتستخدم شِمال-يمين-قدام-ورا زيينا لكنها بتنسب الحاجات مكانيا بالنسبة للإتجاهات الأصلية، فلو عايز تقول حرك الكباية يمين شوية بتقول حرك الكوباية غرب شوية أو شَمال غرب شوية على حسب مكانك بالنسبة للكباية، و لقت إن الناس اللي بيتكلموا اللغة ديه ذهنهم متدرب إنه دايما يفضل Oriented مهما إتنقلوا من مكان لمكان زي الحمام الزاجل مثلا، لو سألت أي حد منهم عن إتجاه الشَمال بيحدده بسرعة و بدقة من غير مايستعمل أي أداة، في الوقت اللي إحنا و اللي بينسبوا الإتجاهات زيينا لازم نستعين ببوصلة مثلا عشان نقدر نحدد الإتجاهات الأصلية. فهنا اللي بيحصل إن القبيلة دي لسبب قديم قرروا ينسبوا الأماكن عن طريق الإتجاهات الأصلية و بالتالي لغتهم إتشكلت كدة و دلوأتي اللغة نفسها بتعمل تدريب ذهني أوتوماتيك لكل مولود جديد بيتكلم لغة القبيلة دي كلغة أم إنه ينشط البوصلة الداخلية اللي عنده عشان يعرف يتواصل مع بقيت القبيلة. الموضوع مالوش دعوة بإنك متعلم أو أمي، لو بتتكلم اللغة دي، اللغة هتدرب ذهنك. و ده يوري إزاي إن إختلاف بسيط في القواعد بين اللغات ممكن يشغل/يعطل وظيفة من وظايف المخ ***.
ليرا بروديتسكي قدمت أمثلة تانية ممكن تراجعها في اللينك اللي تحت**. ليرا بروديتسكي إستنتجت من دراستها إن كل لغة هي عالم بذاته، كل مجموعة بشرية بتتكلم لغة بتعتبر عايشة في عالم موازي بيشوف العالم وبيكون خبراته عنه من خلال إمكانيات لغته. و قيمة اللغة، أي لغة، إنها فعلا زي خزان بتتحوش فيه خبرات كل مجموعة بشرية، خبراتهم التاريخية بكل طبقاتها بتفاعلهم مع بيئتهم و محيطهم الجغرافي.


اللغة و تأثيرها علينا عند زكي نجيب محمود و سؤال العروبة
و طبعا إحنا كمان لغتنا إتأثرت بينا و بتاريخنا و بالتأكيد بترجع تأثر فينا، منطقتنا فيها قليلين حاولوا يدرسوا سلكويات العالم "العربي" من خلال لغته، منهم مثلا زكي نجيب محمود اللي إتأثر بأدبيات اللغوين الفرنسيين و سجل ده في كتابه "تجديد الفكر العربي" و اللي فيه إلتفت زكي نجيب محمود لفكرة تأثير اللغة على التفكير لدرجة إنه ربط تجديد الفكر العربي بتجديد لغته، عشان كدة هو حاول يدرس المكتبة العربية و يحلل لغتها و يربطها بالتاريخ اللي انتجها و في الآخر بيقدم فروق هو شايفها مابين تفكير الناس اللي بتتكلم عربي و اللي مبتتكلمش عربي بسبب فرق اللغة.
أنا هقف مع الكتاب ده شوية لأني شايف فيه ملاحظتين أساسيتين:
الكتاب بيقدم تحليل دقيق و واعي لإرتباط تكوين بنية اللغة العربية بنمط عيش العرب و تاريخهم و تأثير اللغة العربي بعدين على تفكير الإنسان العربي إنهاردة.
الكتاب كمان بشوفه مثال واضح لإنفصال مثقفين الفصحى عن التاريخ و الواقع المصري. 

زكي نجيب محمود بيتبنى في كتابه مفهوم القومية العربية و هو إن فيه أمة عربية من المحيط للخليج كلهم بيتكلموا لغة واحدة هي العربية الفصحى. الإنفصال عن التاريخ المصري بيظهر لما بيبتدي يدرس التاريخ اللي أنتج اللغة العربي فبيلاقي إن التاريخ اللي أنتجها مش تاريخ المنطقة العربية المزعومة لكنه تاريخ العرب بمعناها الأصلي اللي هما فعلا بدو الحجاز في شبه الجزيرة العربية؛ الإنفصال عن الواقع المصري بيظهر لما بيدرس تأثير بنية اللغة العربي على أسلوب تفكيرنا في الوقت اللي فيه إحنا المصريين بنستخدم بنية لغوية تانية.

العرب و لغتهم
زكي نجيب محمود بدأ يرصد شوية عوامل ممكن تكون أثرت في تكوين اللغة العربي؛ هو دور على العوامل دي طبعا في البيئة الصحراوية بتاعة البدو،  فلقى إن العربي عاش في بيئة موحشة و طبيعة فقيرة و كان رد فعل العربي على بيئته إنه راح مقاطعها، العربي قرر يعتزل الطبيعة و بدأ يوصفها من بعيد، الحاجة الوحيدة اللي العربي إندمج فيها و قرر يتفاعل معاها هي لغته، فزكي نجيب محمود لقى إن اللغة بالنسبة للعربي مكانتش حامل للتراث لكنها كانت هي التراث نفسه.
إنصراف العربي عن الطبيعة و عن محيطه خلاه مينتجش منتجات حضارية ملموسة فمأنتجش مثلا كيميا أو علوم فلك أو منشآت هندسية، لكنه أنتج بس لغة و إتفنن فيها، فتلاقي أهم منتج عنده هو الشعر الكلاسيكي و اللي لما إتطور بقى نثر، و الشعر و النثر عند العربي برضه مش أدوات لتوصيل فكرة جديدة لكن الهدف من مؤلفاته هو إظهار التمكن من اللغة و مفرادتها و مترادفتها عشان يلاقي رنة موسيقية يطرب بيها اللي بيقرا، فلا لقينا اللي بيألف مهتم بتوصيل أي معلومة جديدة ولا اللي بيقرا مهتم يتعلم أي حاجة جديدة. العربي وصل لإنه بيكتب اللغة لللغة و عشان كدة إهتم إن لغته تكون تركيبية لينة مليانة مترادفات عشان يقدر يشكلها و يخلق منها الرنة الموسيقية اللي هي بالنسباله كل إبداعه. زكي نجيب محمود إنتهى بإنه يوصف حضارة العربي بإنها حضارة اللفظ مش حضارة الأداء. 
حاجة تانية لاحظها زكي نجيب محمود و هي إن العربي كان مركز إهتمامه دايما هو سلوك الإنسان مش الإنسان نفسه، و ده ظهر في لغته في بنية الجملة، فبنلاقي العربي بيبتدي الجملة الفعلية بالفعل مش بالفاعل (VSO)، و ده بيعكس إهتمام العربي بالقيم المطلقة و اللي جنبها بييجي الإنسان في المركز التاني.

ملاحظات زكي نجيب محمود يمكن كمان ظهرت قوي لما الحضارة العربية دي نتج عنها دين بيعبر عن مبادئها و أخلاقها و أسلوب تفكيرها فلقينا إن الدين ده إعتمد في شرعيته على معجزة أساسية و هي بلاغة اللغة! وإتبنى في قيمه لحد كبير فكرة خدمة الإنسان للقيمة العليا اللي هي الدين مش خدمة الدين للإنسان!

الغرب و لغاتهم 
في مقابل العرب، زكي نجيب محمود عرض مثل لغوي تاني عشان يبين تأثير اللغات المختلفة على أسلوب التفكير. المثل كان اللغات الغربية الحديثة  و اللي إتطورت لغتهم بالتوازي مع دخولهم عصر الصناعة من لغات تركيبية لينة بتعتمد عالإعراب للغات تحليلية بتعتمد على الترتيب الثابت للكلمات. التطور ده ، في رأي زكي نجيب محمود، بيعكس عمل الآلة. فزي ما الآلة لازملها ترتيب معين في التشغيل و بناء عليه بتيجي دقة النتايج، أغلب اللغات الغربية جه فعلا بيتبني ترتيب معين للكلمات عشان تدي في الآخر دقة المعنى. زكي نجيب محمود بيلخص الفرق بين نوعين اللغة، التحليلية و التركيبية، بإن الأولانية بتعكس دقة العلم و التانية ليونة الشاعر، أو حضارة الآداء و حضارة اللفظ. اللغات التحليلية حتى لما أنتجت منتج شعري كان بيعبر عن نفس أسلوب التفكير، بنلاقي الأديب في الشعر الحديث بيعتمد في إبداعه على جمال توضيح فكرة معينة بغض النظر عن الرنة الموسيقية اللي في اللغة.
زكي نجيب محمود لاحظ كمان إن مركز إهتمام الثقافة الغربية هو الإنسان نفسه مش فعله و ده اللي ظهر في بنية اللغات الغربية اللي بنيتها بتقدم الفاعل على الفعل (SVO).

الفرق في بنية اللغتين زي ماظهر في المنتجات المادية لكل حضارة ظهر كمان في تشريعات كل حضارة. بنلاقي القوانين الغربية إتطورت عشان تضمن الحرية الفردية في مواجهة أي فكرة أو قيمة عليا و حتى الدين نفسه بعكس العرب اللي القوانين اتطورت عندهم عشان تحمي الدين على حساب حرية الفرد و أحيانا حياته.

طب إحنا المصريين فين؟
زكي نجيب محمود عرض للغة العرب و تاريخهم و تأثير ده عليهم و إعتبرنا عرب و عرض للغة الغرب و تطورها و عرض الفروق بين العرب و الغرب بسبب اللغة. زكي نجيب محمود يمكن قرا مراجع كتير  في اللغات و خواصها و تأثيراتها، لكنه نسي يقرا أهم حاجة و هي الواقع. إحنا المصريين بنتكلم إيه؟
لغتنا اللي بنتكلمها تحليلية ثابتة؟ واللا تركيبية لينة؟ لغتنا بتتبني (SVO) واللا (VSO)؟ بتعبر عن حضارة الآداء واللا حضارة اللفظ؟ زكي نجيب محمود بيقول العرب بيقولوا "جاء زيد" أكتر مابيقولوا "زيد جاء" عكس الغرب طب و إحنا المصريين بنقول إيه؟ من و أنا صغير أنا فاكر لما بابا بييجي كنت بقول "بابا جه" و عمري لما شفت بابا ما قلت "جه بابا"!
زي ماوضحت قبل كدة، لغتنا إنهاردة تحليلية في بنيتها، أقرب للبنية الإنجليزي الحديثة مثلا. الإنجليزي زيه زي كتير من اللغات الأوروبية بينتمي لعيلة اللغات الهندو-أوروبية بدأ من لغة تركيبية معقدة و مع الزمن بدأ يستغنى عن حالات الإعراب و يبدلها بصيغ تحليلية ثابتة و وصل من حوالي ٣٠٠~٤٠٠سنة إنه يتحول للغة تحليلية حديثة اللي هي الإنجليزي اللي إحنا عارفينه إنهاردة.

اللغة المصري و اللغات السامية اللي إتشكل منها العربي بينتموا لعيلة اللغات الأفرو-أسيوية (سامية-حامية) و بدايتهم كانت متشابهة. اللغة المصري كانت في مرحلتها الهيروغليفي القديمة من خمستلاف سنة لغة تركيبية معقدة و بنيتها (VSO) زي العربي بتاع إنهاردة لكن مع الوقت بدأت لغتنا المصري تستغنى عن حالات الإعراب و تبدلها بصيغ تحليلية ثابتة و إتطورت بنية ال (VSO) و إتحولت ل (SVO). تقريبا سنة ١٣٠٠ ق م وصلت لغتنا لمرحلة في التطور بيخليها بتبتدي تتصنف على إنها لغة تحليلية ،لغتنا المصري القديمة مع بدايتها كانت بتميل لإنها تستغنى عن حالات الإعراب فمثلا في المرحلة الهيروغليفي القديمة دي كانت بدأت فعلا شوية صيغ تحليلية تظهر فيها لدرجة إن أنطونيو لوبرينو شايف إنها في المرحلة دي كانت حتى أكتر حداثة من اللغة العربي إنهاردة. و طبعا فضلت لغتنا تطور لغاية مرحلة القبطي اللي بدأ يبقى أكتر حداثة  و أنطونيو لوبرينو لاحظ من دراسته للغة المصريين إن فيه ميل دايم عند المصريين إنهم يستغنوا عن الصيغ التركيبية المعقدة و يبدلوها بصيغ تحليلية أبسط. و ده عكس العرب اللي لما إتشكلت لغتهم بتأثير من اللغات السامية القديمة (الأكادية و السريانية و العبرية القديمة ...) راحوا العرب محافظين على الصيغ التركيبية المعقدة القديمة و محاولوش يطوروها لغاية إنهاردة.

تطور و جمود
نظريا إحنا و العرب بدأنا من مراحل تركيبية قديمة، لغتنا المصرية إتطورت و لغة العرب إتجمدت. السبب في ده إن اللي شكل لغتنا المصري تاريخنا القديم المختلف عن تاريخ العرب و نشاطنا الحضاري اللي محصرش نفسه في اللغة و بالتالي مضطرش المصري يحافظ على الصيغ التركيبية القديمة زي العربي لكنه عرف حضارة الآداء حتى قبل الأوروبيين بآلاف السنين و بالتالي كان بيطور لغته دايما مع الوقت للغة تحليلية مناسبة لأداءه الحضاري و تطوره الفكري.
جدودنا مقرروش يقاطعوا الطبيعة وميتعلموش منها هما على عكس العرب قرروا يندمجوا فيها ويحاولوا يفهموها، إنتاج جدودنا الحضاري مكانش مجرد أبيات شعر كلاسيكي، إنتاج جدودنا الحضاري كان فيه أديان و فلسفات و فلك و كيميا و هندسة و تنظيم للري و إبتكار الإدارة المركزية وحاجات كتير ميكفيش المقال ده اني أكتبها.
لغتي أنا المصري إتطورت بسرعة للغة تحليلية بتعتمد على الترتيب الثابت للكلمات عشان تنتج معنى و ده انعكاس لحضارة الآداء الطويل، إنعكاس لدقة المهندس و الكيميائي و عالم الفلك، زي مالهرم بيتركب من ترتيب معين بشكل ثابت لوحدات الحجر عشان في الآخر تدي شكل المبنى الضخم ده، لغتنا برضه إتطورت و بقت بتتكون من ترتيب معين لوحدات الكلام عشان تدي في الآخر المعنى بتاعها.
سياقنا التاريخي القديم هو اللي انعكس على لغتنا لغاية دلوأت. جدودنا الفراعنة ماسابولناش بس الهرم لكنهم سابولنا كمان منطق لغوي عايش لغاية دلوأت و من غير مانحس بيدرب ذهننا على أسلوب التفكير المنطقي الدقيق اللي أنتج الهرم و اللي لما الغربيين اتبنوه عملوا حضارتهم، و في رأيي ده اللي خلى المصريين هما أكتر ناس في المنطقة دي استوعبت حضارة الأداء لما وصلتنا من الأوروبيين.

مين اللي كان قاعد يطورلنا لغتنا؟
اللي طورلنا لغتنا هو إحنا، طورناها  بهدوء و بعيد عن السلطة، و إحنا هنا هما الناس العاديين بعيد عن النُخب و بشكل أساسي الأميين. لما إحتلنا اليونانين في القرن التالت ق م و بقى اليوناني هو لغة السلطة  و اللي كان لغة تركيبية أقل حداثة من المصري، جريت النُخَب تتكلم يوناني، الأميين بقى إتفاعلوا مع اللغة الجديدة وإستفادوا منها لكن حافظوا على نفس خط التطور اللغوي و ظهرت المرحلة القبطي اللي ظهر فيها صيغ تحليلية أكتر و إضطرت النُخب تتبناها لما إحتاجوا يكلموا "العوام" بلغتهم عشان ينشروا المسيحية في الوقت ده، و لما إتغير المُحتل و جم العرب إتغيرت لغة السلطة للعربي و اللي برضه أقل حداثة من المصري و برضه جريت النُخَب عشان تتكلم عربي و برضه الأميين إتفاعلوا مع اللغة الجديدة و إستفادوا منها لكن حافظوا على نفس خط التطور اللغوي و أنتجوا لغتنا التحليلية اللي بنتكلمها إنهاردة.
لو بصيت بس عالأميين إنهاردة، هتلاقي ميكانيكي شاطر و هتلاقي بَنَّى شاطر و كهربائي شاطر و هتلاقيهم راحوا الدول العربية يشتغلوا عشان هناك مقدروش يستوعبوا ده، السبب في رأيي هو ان الذهن المصري بالفعل متدرب على فهم الآلة و منطق تشغيلها بسبب بنية لغتنا المصري.
حتى مفهوم الليبرالية الغربي و اللي فيه الإنسان و حريته الفردية هما مركز التشريع ملقاش مشكلة وسطنا في الأول و بدأنا نتبناه لغاية مابدأ مثقفين الفصحى المستعربين بتوعنا اللي بيبصوا للفكر العربي على إنه مرجعنا في التفكير، بدأ مثقفين الفصحى دول يدمروا كل مكتسباتنا الليبرالية بحجة حماية القيم العليا و الدين.

نهاية و شوية أسئلة
أنا عرضت في المقال مثل على تأثير الإختلاف في قواعد اللغات على تدريب الذهن على مهارات معينة و طبع أسلوب تفكير معين فيه، و عرضت دراسة عن اللغة و تأثيرها للدكتور زكي نجيب محمود بإفتراض وجود أمة عربية بتتكلم اللغة العربي والفرق بينها و بين اللغات الغربية، و في النهاية عرضت للغتنا و تاريخنا و سياق تطورنا اللغوي.
ممكن بعد اللي عرضته أزعم إن إحنا مؤهلين بلغتنا إذا وثقنا فيها و في منطق تفكيرها إننا نتنقل لعصر الآلة و نستوعبه، مؤهلين إننا نحط الإنسان في مركز إهتمامنا و نحميه كإنسان قصاد أي أفكار. وجودنا في الوادي و إستقرارنا و تفاعلنا مع بيئتنا سمح بوجود تراكم حضاري خلى لغتنا إتطورت مع الوقت و وصلت لإنها تكون لغة تحليلية حديثة قادرة إنها تشيل ثقافة العصر الحديث، خلت ذهننا ميستغربش حضارة الأداء والا عصر الآلة لما جالنا من أوروبا بكل منتجاته المادية و الفكرية. لغتنا الحقيقية متطورة لكن إحنا إللي حارمين نفسنا من إستخدامها، الطفل بيدخل و ذهنه متدرب على طريقة تفكير متطورة و إحنا اللي بنلوي مخه عشان يفكر بطريقة تانية في رأيي إحنا مش محتاجينها إنهاردة، بنعلمه عربي و نقوله لازم لما تشوف شعر كلاسيكي تنبهر بيه و بالنغم الموسيقي، بنلقنه ثقافة مش بتاعتنا و مش مهمة لمستقبلنا.
لغة العرب شايلة تاريخهم و تراث جدودهم و منطق تفكيرهم و حاكمة مستقبلهم، و لغتنا إحنا المصريين شايلة تاريخنا و تراث جدودنا لكن إحنا مش سامحينلها تحكم مستقبلنا.
أفتكر كفاية لغاية كدة من النُخب الدينية والثقافية محاولتهم لإنهم يلوو مخنا عشان يخلونا كلنا نتكلم عربي، قاعدين يقنعونا إننا بنتكلم لهجة بايظة من العربي و متجاهلين تاريخنا المصري الطويل اللي مؤهل انه ينتج و أنتج فعلا لغته المتطورة عن العربي. أفتكر الأكتر إتساقا مع سياقنا التاريخي  و مع واقعنا اللغوي و الأحسن لمستقبلنا هو إننا ببساطة نكتب زي مابنتكلم. ندخل المدرسة نتعلم قراية و كتابة اللغة اللي إحنا فعلا بنفهمها و بنتكلمها، لغتنا اللي متخزن فيها تاريخنا و اللي بتعكس شخصيتنا المصري، لغتنا الوطنية اللي كل مصري شارك من غير مايحس في تطويرها، كل مصري من أول ماسكنّا في الوادي لغاية إنهاردة، لغتنا المصرية الحديثة، لغتنا اللي عملناها و عملتنا.
و لسة فيه كلام...
------
(*) علوم الإدراك بدأت تظهر كتخصص علمي من السبعينات وهو التخصص اللي بيحاول يفهم آلية عمل المخ و بيحاول يفسر تصرفاتنا من خلال فهم آلية عمل المخ من جوة.

**Lera Boroditsky
http://edge.org/3rd_culture/boroditsky09/boroditsky09_index.html
Video
http://edge.org/memberbio/lera_boroditsky


(***) فيه ملاحظة إني لما بروح الريف المصري برضه الفلاح بينسب الإتجاهات بنفس الطريقة فلو سألت على عنوان بتسمع بحري البلد أو قبلي البلد أو إمشي مشرق وهكذا، إيه جذور ده وليه في المدن إحنا معندناش المهارة دي؟ دي حاجة برضه محتاجة بحث.

مراجع

Ola  EL  Aguizy  &  Fayza  Haykal, Changes in Ancient Egyptian Language, Égypte/ monde arabe, 1996, P 25-34.

Von Elly Van Geldner, The linguistic cycle: language change and the language faculty, P 362

Anotnio Loprieno, Ancient Egyptian a Linguistic Introduction.

Stability, Variation and Change of Word-order Patterns over time, P 23, Article by Antonio Loprieno

Historical linguistics: 2011 selected papers from the 20th international conference on Historical Linguists : P 289 Article by Chris H. Reitges

الأربعاء، 27 أغسطس 2014

ميراث القرون الوسطى -اللغة المعيارية ولغتنا المصرية-



المرة دي أنا هكتب عن موضوع مرتبط شوية بالمقال اللي فات، المرة اللي فاتت إتكلمت عن ميراث القرون الوسطى وعن إننا ورثنا تعريفين نظريين وهما اللغة المعيارية والصواب المعياري. هبتدي دلوأتي سلسلة جديدة بتتكلم عن ميراث القرون الوسطى بتاعتنا وفي المقال ده هتكلم بتفصيل أكتر عن أول ميراث وهو اللغة المعيارية (العربية الفصحى) في مقابل اللغة الواقعية بتاعتنا (اللغة المصري واللي بيسميها البعض اللهجة المصرية أو العامية المصرية).
للأسف في كتير مصريين مايعرفش أصلا إنهم بيتكلموا لغة مصري تختلف في بنيتها وقواعدها عن اللغة العربية، وبتعبير طه حسين عميد الأدب العربي نفسه "اللغة العربية في مصر لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس في البيوت... ولا في الشوارع... ولا في الأندية... ولا في المدارس ... ولا في الأزهر نفسه... وإنما يتكلم الناس في هذه البيئات كلها لغة تقرب منها قليلا أو كثيرا ولكنها ليست هي على أي حال"

اللغة الأم واللغة الأجنبية
لو بصينا لحالة الطفل (أو الأمي) اللي بيروح المدرسة عشان يتعلم اللغة العربية. قبل مايروح المدرسة كان لما حد بيوصف قدامه ترابيزة بيقول "الترابيزة دي زُغيرة"وبالتالي هو لما بيتكلم بيقول "الترابيزة دي زُغيرة" وهنا هو إتكون عنده مهارتين من مهارات اللغة وهما السمع والنطق، لو رحت المدرسة عشان تتعلم لغتك الأم المفروض إنك هتتعلم مهارات القراية والكتابة لللغة اللي إنت بتمتلكلها مهارات السمع والنطق. اللي بيحصل عندنا بقى إن الطفل (أو الأمي) لما بيروح المدرسة وبيتعلم اللغة العربية المدرس بيعلمه إن اللي كان بيسمعه وكان بيقوله غلط والصح هو "هذه المنضدة صغيرة" فهنا فيه إختلاف في مكان إسم الإشارة بالنسبة للمشار ليه وده إختلاف في بناء الجملة (إختلاف في النحو Syntax)، وفيه إختلاف في إسم الإشارة نفسه (إختلاف في الصرف Morphology) وفي إختلاف في نطق الصاد(إختلاف في الصوتيات Phonology) وفي إختلاف كمان في كلمة ترابيزة نفسها (إختلاف في المفردات Lexicon). وبالتالي الطفل أو الأمي مش يروح المدرسة عشان يتعلم مهارات القراية والكتابة للغة هو بيتقن فيها مهارات السمع والنطق، هو لازم يتعلم الأربع مهارات بتوع اللغة العربية من الأول.
فإذا بنتكلم عن لغة أم للمصريين، لغة أم بمعنى اللغة اللي بيكتسبها المصري في أول ٦ سنين من عمره قبل مايدخل المدرسة، فهي اللغة المصري مش اللغة العربية. الفرق بين اللغة الأم واللغة الأجنبية هو في مهارات السمع والكلام اللي بتكون إتكونت عند الإنسان قبل مايدخل المدرسة. الطفل (أو الأمي) المصري جايز بيستخدم مفردات كتير من اللغة العربية لكن في بنية نحوية وصرفية وصوتية تانية، عشان كدة طه حسين معاه حق في إن اللغة العربية في مصر هي لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية.

الفرق بين اللغتين المعيارية والواقعية في البناء اللغوي
الفروق بين اللغتين كتار ويمكن يكون شوية منهم وضحوا في المقطع اللي فات، أنا هنا هركز على الفرق البنائي بين اللغتين أو النوع اللغوي اللي بتنتمي ليه كل لغة. اللغة المعيارية بتاعتنا اللي هي العربية الفصحى بتنتمي لفئة اللغات التركيبية (Synthetic languages) ولغتنا المصري بتنتمي لفئة اللغات التحليلية (Analytic languages) وده فرق أساسي بين اللغتين.اللغات التركيبية هي اللغات اللي إعراب الكلمة هو اللي بيحدد وظيفتها في الجملة وبالتالي بييدي معنى للجملة، لكن اللغات التحليلية هي اللغات اللي ترتيب الكلمات في الجملة هو اللي بيحدد وظيفة كل كلمة في الجملة وبالتالي بيدي معنى سليم للجملة.
مثلا في الفصحى (التركيبية) ممكن نقول:
محمدٌ ضَربَ علياً 
أو
علياً ضَربَ محمدٌ
الإتنين ليهم نفس المعنى وهو إن الفاعل محمد والمفعول به علي واللي حدد كدة إعراب الكلمات ( ُ) للفاعل و ( َ) للمفعول به، يمكن يكون صعب علينا كمصريين إستيعاب إن المثل التاني ليه نفس معنى المثل الأولاني وده راجع لإن ذهننا مش متدرب يركب الجملة بالطريقة دي زي ماهيبان بعدين، لكن حسب اللغة العربية الفصحى المثلين ليهم نفس المعنى.
 الآية القرآنية الجاية هي كمان مثل مشهور:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
لو سألنا مين الفاعل ومين المفعول أو مين اللي بيخشى مين؟ مش هنقدر نحدد، لازم نكتب الجملة بالإعراب (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) عشان نفهم إن العلماء ( ُ) هما اللي بيخشوا الله ( َ).

في اللغة المصري (التحليلية) بقى إحنا بنلغي الإعراب وبنسكن أواخر الأسماء كلها واللي بيحدد وظيفة الكلمة هو ترتيبها في الجملة، فمثلا بنقول:
محمدْ ضرب عليْ
لو قلنا: 
عليْ ضرب محمدْ 
المعنى بيختلف.
هنا على عكس العربي اللي حدد إذا كان محمد أو علي هو الفاعل، مكان كل كلمة منهم في الجملة مش الإعراب.

طب مصدر الإختلاف جه منين؟ وده نعتبره غلطة وقع فيها المصريين وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى (المعيارية)؟

هحاول أجاوب السؤال التاني في الأول.
لو شفنا مثل من اللغات الأوروبية الحديثة زي الإنجليزي هنلاقيه بيستخدم نفس الأسلوب المصري، بيعتمد على ترتيب الكلمات (Analytic) مش عالإعراب (Synthetic) في تحديد وظيفة الكلمة، فمثلا عشان نعبر عن نفس معنى المثال اللي فوق بنقول:
Mohammed hit Ali
مش بنقول:
Mohammedo hit Alia
لو غيرنا ترتيب الكلمات كدة:
Ali hit Mohammed
المعنى بيتغير. يعني مش بنغير نهايات الكلمات عشان نحدد وظيفة الكلمة الترتيب هو اللي بيحدد المعنى، طب هسأل برضه، هل ديه غلطة وقع فيها الإنجليز وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى؟ آه إنت قريت السؤال صح "عن اللغة العربية الفصحى؟"
طبعا السؤال هزلي، مش هينفع أستخدم اللغة العربية الفصحى كمعيار أقيس بيه خطأ وصواب اللغة الإنجليزي. اللغة الإنجليزي بتتقاس على إزاي الإنجليز متفقين يتكلموا لغتهم وقادرين يتفاهموا مع بعضهم، مش على العربية الفصحى. ونفس الموضوع بينطبق على اللغة المصري، المصريين فيه بينهم إتفاق إنهم يتكلموا لغتهم كدة وده بيخليهم قادرين يتفاهموا مع بعض من غير مشاكل، فده شئ هزلي إني أحكم إن ال٩٠ مليون مصري بيتكلموا غلط بس لأني بقارن اللي بيتكلموه باللغة العربية الفصحى. وهي ديه المفارقة اللي ورثناها من القرون الوسطى بتاعتنا وهو إن العربية الفصحى ديه هي المعيار اللي بنقيس بيه صحة أو خطأ اللغة اللي بنتكلمها، خصوصا وإن المصريين عمرهم ماإتكلموا اللغة الفصحى وبعدها بدأوا يتكلموها غلط، السيناريو مامشيش كدة، السيناريو عندنا هو إننا بنتكلم لغة مصري من فجر التاريخ بقواعد نحو وصرف وصوتيات مستقلة عن العربي الفصحى، ولما العرب جم إستخدمنا مفردات كتيرة من العربي جوه البنية النحوية والصرفية والصوتية للغتنا المصري. وده يجاوبلنا على السؤال الأول عن مصدر التغيير بين اللغتين العربي والمصري. مصدر التغيير مش إن المصريين بيتكلموا عربي غلط لكن إن المصريين بيتكلموا مصري بمفردات كتير عربي، والمصري اللي بنتكلمه متأسس على بنية تحتية (substrata) اللي هي اللغة المصري القديمة واللي جدودنا إتكلموها من ساعة وجودهم في الوادي. واللغة ديه في نسختها القبطي اللي كانت موجودة قبل العرب مايجوا كانت لغة تحليلية (+) مش لغة التركيبية. وبناء على كدة بدأ الإتجاه لتغيير وصف اللغة اللي بنتكلمها من كونها عامية اللغة العربية ل اللغة المصرية الحديثة كإمتداد لللغة المصرية القديمة.

اللغة الأرقى
ممكن أسأل هي مين فيهم الأرقى وطبعا الإجابات هتختلف حسب المزاج والعاطفة، فمثلا ممكن نقول إن المعيارية أرقى لأنها لغة القرآن، كتاب الله، أو ممكن نقول إنها أرقى لأنها لغة النخبة في الكتابة لكن العامية دي لغة الشارع والحواري والفلاحين، ونحكم إن العامية ديه هي النسخة البايظة بتاعة الفصحى. وده جدل مثلا حصل لللغة الفرنساوي، لغاية القرن ال١٦ الفرنساويين كانوا بيعيشوا نفس مشكلتنا وهي وجود لغة مقدسة سايدة وهي اللاتيني وده كان نتيجة سيطرة قديمة للرومان على فرنسا وده اللي خلاهم يفرضوا المعيار اللغوي اللاتيني ويسوقوه على إنه الأرقى،اللاتيني كان لغة الثقافة والنخبة والفرنساوي كان بيتوصف إنه لغة الجهلة والعوام وإنه النسخة البايظة من اللاتيني. الفرنساوي إنهاردة لغة الثقافة والعلم في فرنسا وفي دول كتيرة برة فرنسا. طب إيه اللي نقله النقلة دي؟ اللي نقله إن المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن الميزة المزيفة وعن الغرور الأجوف الموروث من عصور إحتلال قديمة بإنهم بيتكلموا لاتيني وإنهم من طبقة مثقفة بعيدة عن العوام، وإتبنوا لغة العوام في أدبياتهم، وإتحول العوام من عوام اللاتيني ل الشعب الفرنسي. ودي كانت شرارة بدء الدولة الوطنية الحديثة والإعتراف بعبقرية الشعوب وقدرتها على حكم نفسها. المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن جدلية اللغة الأرقى وإتبنوا اللغة الشعبية أيا كان الحكم العاطفي عليها وبأعمالهم وأدبياتهم إدوا قيمة لللغة الشعبية.

لما بييجي إحتلال دايم بيبتدي المحتل يحدد معايير الرقي والتميز في المجتمع على أساس ثقافته مش على أساس ثقافة الشعب اللي هو إحتله وبتبتدي تتكون نخبة على أساس المعايير دي ومن المعايير دي معيار لللغة الراقية مثلا، وتبتدي المعايير دي تتورث، لما بيبتدي يتكون جيل جديد عادة بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبلهم، وده بيخلي الجيل الجديد يتبنى نفس معايير اللي قبلهم عشان يتم الإعتراف بيهم كنخبة، وعشان كدة معايير الرقي أو التميز بتفضل عايشة من جيل لجيل حتى بعد إنهيار السبب الأول لوجودها (زي استمرار اللاتيني كلغة نخبة حتى بعد إنهيار الدولة الرومانية وإستمرار الفصحى كلغة نخبة وكمعيار للصواب اللغوي حتى بعد إنتهاء الإحتلال العربي). الموضوع بيستمر لغاية مايجي جيل مش بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبله لكن بياخد شرعيته كنخبة من الشعب، ودي زي ماوضحت بتكون نقطة البداية لوجود حكم سياسي برضه مش واخد شرعيته من نخبة مفصولة عن العوام لكن واخد شرعيته من الشعب ويتحول الشعب فعلا لمصدر السلطات.

اللي بيخلينا نحكم على لغتنا اللي بنتكلمها إنها لغة أقل في الرقي من اللغة الفصحى مش أكتر من وهم عمالين نتوارثه من جيل لجيل بسبب ميراث إحتلال قديم مالوش وجود دلوأتي، النخبة المصرية لازم تبتدي تتجرأ وتتمرد على الموروث وتبتدي تحط معايير متوافقة أكتر مع واقعنا ومع لغتنا اللي بنفكر وبنحلم بيها إذا عايزين نتكلم عن "شعب مصري" مش عن "عوام العرب".

أرجو في المقال ده إني أكون وضحت شوية فروق بين المصري والعربي وأكون وضحت شوية مفهوم الرُقي الوهمي اللي إحنا مستسلمينله. هخصص شوية مقالات عن فروق تانية بين المصري والعربي وعن ميزة كل واحدة عن التانية (مش عن رُقي واحدة عن التانية)

ولسة فيه كلام ...
------
+ Wilson, Robert 1978, The Future of Coptic Studies; P 109
*الفضل في المقال ده بيرجع لمجهودات قام بيها بيومي قنديل وكتير من الأمثلة والتوضيحات في مجال اللغويات بترجع ليه وممكن تلاقوها بشكل أوضح في كتابه "حاضر الثقافة في مصر" واللي بشجع كل واحد إنه يقراه.
* لمراجعة معلومات أكتر وبسرعة عن قواعد اللغة المصري الحديثة ممكن عن طريق ويكيبيديا
------
إستدراك و توضيح للأمثلة اللي إستعملتها
في المقال أنا إستعملت أمثلة عشان أوضح الفرق بين اللغتين المصري و العربي و هو إعتماد لغة على ترتيب الكلام و التانية عالإعراب؛ و التعليقات اللي جات من اللي متعمقين شوية في اللغة العربي كان فيها إعتراض على بنية الجمل بالقياس على قواعد اللغة العربي.
الأمثلة كانت:
محمدٌ ضرب علياً
و
علياً ضرب محمدٌ
والتعليقات بتقول إن في اللغة العربي الحالة العامة هو إن الجملة بتبدأ بالفعل وبعدين الفاعل وبعدين المفعول.
يعني العربي بيميل إنه يقول: 
ضرب محمدٌ علياً مش محمدٌ ضرب علياً
أو ضرب علياً محمدٌ مش علياً ضرب محمدٌ
(ملحوظة: في الأمثلة اللي فاتت كلها "محمد" هو الفاعل وهو اللي بيضرب "علي" المفعول به)
و دي حقيقة فعلا، البداية بتكون بالفعل مش بالفاعل والا المفعول. إلا إنه في العربي بيجوز تبدأ الجملة بالمفعول و تفضل الجملة فعلية لو مضطر، و في حالات نادرة بيجوز تبدأ بالفاعل بس الجملة بتتحول لجملة إسمية  لكن بتفضل تعبر عن نفس المعنى إن محمد هو اللي ضرب علي. ليه بقى أنا إخترت الأمثلة بالشكل ده بالرغم إن بداية الجملة بالفاعل أو المفعول حالات نادرة/إستثنائية في العربي؟ في الحقيقة أنا إخترت الأمثلة بالصيغة دي لأني مش مهتم بشرح قواعد اللغة العربي منفصلة زي ماحنا متعودين نقرا عنها، لكن هدفي هو التوضيح لذهن القاري الفرق بين الجملة المصري و الجملة العربي من حيث الإعتماد على ترتيب الكلمات في واحدة و الإعتماد عالإعراب في التانية و الأساس عندي هو الجملة المصري، فإخترت الأمثلة الأقرب لذهنية المصري و إخترت الأمثلة العربي بتتوافق مع المصري و بتفرق بس في وجوب الإعراب. خصوصا و زي ماقلت إنه بيجوز في العربي تغيير ترتيب الكلمات مع ثبات المعني لكن مايجوزش في المصري، و ده لأن العربي عنده الإعراب اللي بيوضح وظيفة الكلمة لكن المصري مفهوش إعراب فاللغة مضطرة تثبت ترتيب الكلمات لأنها الوسيلة الوحيدة عشان تحدد وظيفة الكلمة إذا كانت فاعل أو مفعول.
في المصري مثلا، عشان نعبر عن إن محمد هو اللي ضرب علي، ماينفعش غير الصيغة دي:
 محمد ضرب علي
مينفعش نجيب المفعول في الأول وإلا المعني هيتغير ويكون علي هو اللي ضرب محمد و مينفعش نجيب الفعل في الأول وإلا هتتحول الجملة لصيغة استفهام.
و ده فرق تاني في بنية الجملتين المصري والعربي. المصري بيبتدي الجملة الفعلية بالفاعل مع ثبات الصيغة [فاعل-فعل-مفعول (Subject-Verb-Object (SVO)] زي البنية الإنجليزي (وكتير من اللغات الغربية) لكن الجملة الفعلية في العربي بتميل في الغالب للبداية بالفعل و للصيغة [فعل-فاعل-مفعول Verb-Subject-Object (VSO)]  مع وجود ليونة في بُنا الجملة وجواز البداية بالمفعول أو تحويل الجملة لإسمية و البداية الفاعل.


الخميس، 29 مايو 2014

منين ولفين؟ -٢٥ يناير بين البداية والنهاية-



مقالة جديدة في سلسلة "منين ولفين" واللي لسة بحاول أكتب فيها عن النقط اللي بقت واضحة قدامي بعد التلات سنين اللي فاتوا، المرة دي أنا هحاول أرصد شوية حدث ٢٥ يناير في لحظتين بس منه وهما -زي ما العنوان بيوضح- بدايته ونهايته، وفي الآخر هحاول أكتب عن شوية إستنتاجات وضحتها أسباب بداية ونهاية ٢٥ يناير ممكن تكون دروس تدعم نوع من التغيير في المستقبل. 
أنا سميته "حدث" لأن توصيفه كثورة أو كإحتجاجات هو واحدة من النقط اللي هتكلم عنها في المقال. كلامي في العنوان عن "النهاية" هو نقطة إختلاف عند كتير من الناس لأن ٢٥ يناير هو حدث ليه بداية، فيه شوية شايفين إنه مازال مستمر وشوية شايفينه انتهى وديه نقطة تانية هتكلم فيها في المقال ده برضه.

البداية (ال Ignition) 
٢٥ يناير بدأت كإحتجاجات ضد النظام وزي أي إحتجاجات ممكن تكون شرارة لثورة  (Ignition spark)، التفسير الطبقي للمجتمع ممكن يفسرلنا أسباب الإحتجاجات لكن لإستكمال التفاعل والحديث عن ٢٥ يناير كثورة وتقييم نجاحها أو فشلها فيه الجانب الاجتماعي والثقافي اللي هيسيطر كنتيجة للإحتجاجات دي. 

٢٥ يناير كحركة إحتجاجية نجحت بالفعل في ٣ نقط أساسية وهما:
١-عزل مبارك.
٢-منع التوريث.
٣-إيصال رسالة للدولة بإن اللي بتعمله الشرطة مش مقبول.
٢٥ يناير كمان اتنقلت من مرحلة الإحتجاجات لمرحلة الثورة لما أفرزت على أرض الواقع نموذج ثقافي كان في طريقه انه يسود المجتمع بالفعل. النموذج ده جايز مايكونش هو الهدف للتيارات اليسارية والليبرالية اللي بدأت الإحتجاجات، لكن في النهاية النموذج الثقافي اللي أفرزته ٢٥ يناير كان نموذج أصولي إسلامي. هل ده كان بقصد من الثوار (زي ما بيسموا نفسهم) أو بسبب سوء تنظيم منهم؟ أنا معرفش، اللي أعرفه ان رئيس جمهورية مصر الثورة كان اسمه محمد مرسي عيسى العياط.
مثلا في إيران اللي بدأ الإحتجاجات ضد الشاه كانت تيارات مشابهة للي بدأت الإحتجاجات المصرية لكن النموذج الثقافي اللي ساد هو النموذج الإسلامي عشان كدة الثورة الإيرانية للآن معروفة كثورة إسلامية.
وعشان كدة لو هنوصف ٢٥ يناير من وجهة نظر النموذج الثقافي اللي ساد بعدها  فهتكون ثورة إسلامية، برغم التوجه المدني للإحتجاجات الأولى.

نهاية ٢٥ يناير
الشخصية الثقافية اللي نتجت من ٢٥ يناير -زي ما وضحت- ووصلت للسلطة هي شخصية إسلامية أصولية، الشخصية ديه كان ليها تعريفات لأسلوب حياة وأخلاقيات يجب أن تسود المصريين وتعريفات لشكل الدولة ولهويتها القومية!
وهنا اتنقلنا من التفسير الطبقي للمجتمع اللي بدأت بيه الإحتجاجات للتفسير الجرامشي للمجتمع واللي هتنتهي بيه الثورة. أنطونيو جرامشي بيشوف إن الصراع الثقافي في المجتمع هو صاحب الدور الأساسي في حركة المجتمعات،وبكدة يكون تغيير الثقافة السايدة هو الطريق الرئيسي لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.
التفسير الجرامشي هو اللي إتجاهلته القوى الثورية المدنية وأدى لإتجاه إسلامي للثورة بعد الإحتجاجات وفي النهاية لفشل الثورة؛ عدم توافق الشخصية الثقافية اللي سادت مع الشخصية المصرية هو الدافع اللي خلى الناس تطلع في ٣٠ يونيو لتعلن ان ٢٥ يناير هي حركة احتجاجية لا يجب ان تكتمل كثورة. في رأيي قطاع كبير من الناس فعلا مبسوط بالنتايج ال٣ ل ٢٥ يناير في مرحلتها كإحتجاجات لكن في نفس الوقت طلعوا لإفشال ٢٥ يناير كثورة. عشان كدة أنا شايف ٢٥ يناير هي حركة إحتجاج شعبية ناجحة وثورة إسلامية فاشلة.

وهنا فيه نقطة مهمة يجب انها تكون واضحة:الناس لما طلعوا ضد الإخوان ده مش معناه انهم اكتشفوا ان الإخوان لا يمثلوا الدين الصحيح لكن معناه عدم قبول الشخصية المصرية للإسلام الأصولي اللي بيقدمه الإخوان. قضية ما إذا كان الإسلام الإخواني هو بالفعل الأقرب لإسلام الرسول والصحابة ديه قضية تانية خالص. الشخصية الشعبية المصرية جايز إتأثرت بالإسلام لكن مش هي مرجع صحة الدين،المرجعية الأساسية لصحة الدين هو القرآن والأحاديث والسيرة و تاريخ الصحابة وهي كلها أدبيات لم تنتجها البيئة الشعبية المصرية.

٢٥ يناير كثورة انتهت نظريا في ٣٠ يونيو ٢٠١٣وعمليا في ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ مايو ٢٠١٤ لما الناس اختارت تاني الدولة العسكرية.
٢٥ يناير انتهت وسابتلنا فاتورة إقتصادية كبيرة وأسئلة كتيرة إتطرحت بقوة وكان مطلوب لها إجابات وللأسف فشلنا في إجابتها بسبب تأجيلنا المستمر لمعارك فكرية لازم نواجهها متعلقة بتاريخنا و تأثيره الحالي ومتعلقة بكسر أثقال كتيرة ربطانا من وقت القرون الوسطى اللي عيشناها و لحد دلوقت.


معاركنا المتأجلة
بعد فترة طويلة من العيش في ظل دولة إمبريالية بيكون فيه فرض لسيادة ثقافية أجنبية على المجتمعات وعلى الثقافات المحلية/الشعبية. النخب الثقافية يا إما بتتماشى مع الثقافة الوافدة وتقبل السيادة النظرية ليها وتتبناها كثقافة معيارية وتنبذ الشعبي، وده زي حالتنا، يا إما النخبة الثقافية بتنتصر لشعوبها و تبتدي هي تؤمن بالشعبي وتغذيه وتخلق سيادة ثقافية للشعبي وتخليه هو الثقافة المعيارية للمجتمع وهنا بتتخلق الدولة الوطنية الحديثة من رحم الدولة الإمبريالية، وده مثلا زي أوروبا، فالدولة الوطنية الحديثة الأوروبية بدأت لما المثقفين بدأوا يرفعوا الثقافة المحلية في مرتبة أعلى من الثقافة اللاتينية اللي كانت سايدة من النسق الإمبريالي/الديني السابق اللي كان موجود في القرون الوسطى، وبدأ المثقفين يكتبوا ويتكلموا بلغة الرعاع/المحليين/الجهلة/القرويين لغاية ما بقت اللغات المحلية المنبوذة لغات من أرقى لغات العالم إنهاردة زي الفرنساوي، الإيطالي، الألماني و الأسباني وغيرهم. المثقفين الأوروبيين ماستسلموش للنسق الثقافي النظري اللي سايد ولا لللغة المقدسة الموجودة لكن آمنوا بتفرد وعبقرية الثقافات الحية جوا الرعاع والمنبوذين ورفعوها للمستوى اللي شايفينه انهاردة. المثقفين وصلوا لمرحلة إنهم مش بياخدوا قيمتهم من اللغة والثقافة السايدة لكن هما اللي بيدوا قيمة للثقافة المحلية. 

فترة القرون الوسطى في حالتنا سابتلنا سيادة نظرية لحاجتين:
١- اللغة المعيارية، وهي اللغة العربية الفصحى وهي ليها سيادة نظرية لأن محدش بيتكلمها على المستوى الشعبي، لكن بيتم إستدعاءها لما بيكون فيه جدل حولين صحة القراية والكتابة.
٢- تعريف الصواب المعياري واللي هو عندنا الإسلام السني الأصولي. وده صواب معياري نظري، المصري ممكن يتكلم كتير عنه لكنه بيحس بخوف لو لقاه هيتطبق بجد، وفي رأيي إن اللي حصل في ٣٠ يونيو هو محاولة الإخوان والسلفيين يطبقوا الصواب المعياري النظري بشكل عملي وده اللي عمل صدمة وخلى الناس طلعت ضدهم. (صورة المقالة هي واحدة من الصور اللي انتشرت وبتعبر عن المعنى ده).

وهنا ييجي سؤال إدوارد سعيد عشان يعبر عن الموقف ده، هو بيقول "إن كلنا بنعيش في مجتمع ولينا جنسية ذات لغة أم وتقاليد ووضع تاريخي [والسؤال هو:] إلى أي حد المثقفين هم خدم لهذه الظروف ولأي حد هم أعدءها؟". الإسلاميين مثلا موقفهم واضح هم خدم للنسق الثقافي الوافد والموروث من القرون الوسطى ومدافعين عنه بشدة، طب بالنسبة بقى لمثقفينا المدنيين اللي المفروض هما الجبهة المقابلة، هل تخلصوا من السيادة النظرية للثقافة الوافدة لصالح الثقافة المحلية؟
 
اللي شفناه إن التيار الديني طرح مفهوم للقيم ومفهوم للدولة متماشي مع ميراث القرون الوسطى واللي هو بيعلن حرصه على بقاءه، المشكلة ظهرت في المقابل في النخبة المثقفة المدنية اللي لم تجرؤ على الدفاع عن قيمنا المصرية المستقلة ولكن حاولت -في خطأ تقني- انها تثبت صحة قيمنا المصرية ومفهوم الدولة الحداثي المقترح على أساس توافقها مع الإسلام الأصولي، عشان كدة جه طرحها هزيل وخجول ومتناقض.

وهنا لازم نسأل:
هل عندنا طبقة مثقفة جريئة تستحق انها تعيش في دولة وطنية حديثة ؟ هل عندنا فرصة لو فكرنا في ثورة تانية دلوقت إن الجبهة المدنية تتمكن من طرح نموذج ثقافي وطني مرتب يقاوم أصحاب الأجندة القرون أوسطية؟

 هل يستطيع مثلا مثقفينا التخلص من سيطرة نظرية للغة (قرون أوسطية ... ولا تفي بمتطلبات الحداثة "بتعبير طه حسين عميد الأدب العربي") وتسييد اللغة الفعلية اللي بيتكلمها الناس؟

هل يرى مثقفينا إن مصر في حاجة لمرجعية دينية إسلامية لإستكمال نظامها القيمي والأخلاقي على المستوى الشعبي؟ واللا تاريخنا وخبرتنا الحضارية "المصرية" قادرة على انتاج أخلاقيات وقيم مستقلة وقادرة على دفع الدولة للأمام؟

هل يرى مثقفينا إن قيمنا بتكتسب صحتها لأنها ناتجة من المجتمع و مفيدة لمستقبلنا واللا قيمنا بتكتسب صحتها لأنها متوافقة مع قيم الإسلام الأصولي أو الصواب المعياري النظري؟

هل يرى مثقفينا أن في أي دولة حديثة محتاجة تصرف من ضرائب المواطنين على مؤسسة زي مؤسسة الأزهر؟
إجابات الأسئلة ممكن توري إذا احنا فعلا جادين في طلبنا إننا نعيش في دولة وطنية حديثة أو نفضل خدم ورهن النظام القرون أوسطي.

و في النهاية أحب أقول إن رحلة بداية ونهاية ٢٥ يناير بتبين إن حصر المشكلة المصرية في الفرق بين المتطلبات الإقتصادية للشعب في مقابل ما تستطيع الدولة توفيره، يكفي بس لبداية إحتجاجات لكن في النهاية هنتواجه بمشاكلنا الثقافية واللي بتمثل ال infra structure لإحداث أي تغيير حقيقي في المجتمع.
دايرة فرج فودة (دولة عسكرية<>دينية) رجعت إتقفلت تاني وعشان نكسر دايرة فرج فودة في رأيي ماينفعش نبتديه بكسر الدولة العسكرية لكن بكسر التابوهات المجتمعية والتمرد على النسق الثقافي الوافد و الإنتصار لثقافتنا المحلية وساعتها الدولة العسكرية هتفقد سبب وجودها.
ولسة فيه كلام .....






الخميس، 20 مارس 2014

منين ولفين؟ -أمية التعليم!-


في المقال هحاول أتكلم شوية عن أشهر شماعة مصرية بتتحمل مسؤلية دمار البلد وإعاقة تقدمها وهي إن أهم مشاكل مصر إن عندنا ٤٠٪ أمية!

إمتى بدأت الأمية في مصر؟
الحقيقة ان الأمية في مصر بدأت من أكتر من ١٣٠٠ سنة تقريبا من ساعة لما اتغيرت اللغة من المصري للعربي واتبنينا اللغة والحرف العربي كلغة رسمية (٧٠٥م)، ده معناه ان في اللحظة ديه نسبة أمية القراية والكتابة في مصر بقت ١٠٠٪.

إمتى إتحولت الأمية لمشكلة؟
مصر بالنسبة للدول الإسلامية المتعاقبة (عرب، ترك، كرد، مماليك) كانت مصدر للمال والمصلحة القصيرة المدى، مفيش دولة أنشأت مدارس ولا بنية تحتية لخدمة الشعب، المهم الفلاح يدفع اللي عليه، مش مهم مستقبله أو مستقبل البلد، التعليم كان تقريبا قاصر على انتاج قضاه ومشايخ وبتوع ضرايب.الأمية اتحولت لمشكلة يجب حلها لما بقى عندنا مشروع لبناء دولة حديثة معتمدة على الموارد البشرية لأبناء الوادي، طالما فيه مشروع بيبص للمصلحة البعيدة فبتبدأ الأمية تكون مشكلة يجب علاجها وهنا بدأت الدولة تهتم بالتعليم وانشاء المدارس وده كان من حوالي ٢٠٠ سنة.

إنهاردة المتحذلقين من المتعلمين أمثالنا شايفين ان مسؤلية تخلفنا بتقع على مصر الأمية، في حين ان المسيطر على الدولة وعلى قرارها وعلى جهازها الإداري والتنفيذي والتشريعي هي مصر المتعلمة، مش مصر الأمية، طب إزاي؟
طب بلاش:لو بصيت على المشهد اللي مرينا فيه خلال ال ٣ سنين اللي فاتوا من يناير والمظاهرات و الانتخابات وصعود الإسلاميين ومظاهرات تاني ورجوع الدولة القديمة لن تجد الأميين ليهم دور في كل ده، إلا إذا تم تحريضهم للتصويت من جانب حد من مصر المتعلمة!

ثقافتين ودولتين
بسبب الظروف التاريخية بيجتمع في مصر انهاردة تاريخ دولتين رئيسيتين هما
الدولة المصرية: أو دولة الوادي وديه دولة زراعية، بناءها الحضاري إعتمد على التنمية من الداخل.
دولة الحجاز: وديه دولة رعوية تملك قيم ثقافية أدنى بكثير من دولة الوادي وإعتمدت على الغزو في بناء نفسها.
كل دولة ليها منتج ديني بيعبر عن القيم الأخلاقية للمجتمع وبيشكل أسطورة تأسيسية ليها.

منظومة التعليم والإعلام بتاعتنا بتروج لأنهي دولة فيهم؟
الحقيقة ان التعليم والإعلام من ساعة ثورة ٥٢ وهو بيروج لدولة الحجاز الصحراوية. هو روج للعروبة وزرع في ذهن الطالب علاقة قومية بتربطه بالمحيط العربي وبتخليه امتداد لتاريخ دولة الصحراء.
الفيديو ده بيعبر تماما عن شكل التعليم والإعلام المصري الحالي:
http://youtu.be/vIg7uNI0-HA
المصري الأمي لا يعلم عن الإسلام حتى اسم رسوله وبييجي التعليم والإعلام زي الشيخ ده، مصري يرتدي ملابس البدو، عشان يعلم المصري أحكام الدين ويمرر قيم البداوة من خلاله وبياخد في مقابلها قيم الوادي الزراعية الأرقى. تعليمنا وإعلامنا للأسف بيدمروا قيمنا الأصيلة اللي الأمية والبعد عن الإعلام بيحموها. إحنا بندمر "our originality"

الدولة بتخلق ما يسمى بالمسلم الوسطي اللي ببذل بعض المجهود البسيط بيتحول لمتشدد ديني واللي بيحتاج مجهود كبير جدا عشان يكون وطني مصري لأنه عشان يكون مصري لازم يتمرد على المعلومات اللي اتحطتله وهو صغير (his principle truths) واللي بتشكل جزء كبير من تأسيسه الثقافي. فكان سهل بعد سنين من زرع العروبة في ذهن المتعلم المصري إننا مع أول أزمة (١٩٦٧) نقع في الأسلمة.

الدولة هي اللي بتعمل رصيد المواطنين اللي المجموعات الدينية بتتغذى عليه، الدولة بتقلك ان خالد ابن الوليد ده مثل أعلى، الجماعة الدينية بتيجي تكملك المعلومة وتشرحلك بالتفصيل هو ايه اللي عمله خالد ابن الوليد، الدولة بتقلك ان غزوة بدر ديه شيء جيد والجماعة الدينية بتكملك المعلومة وتقلك ان الصحابة قتلوا عائلتهم فيها انحيازا للدين! فانت يا اما هتشك في منظومة التعليم كلها وترفض كلام الجماعة الدينية أو هتحافظ على ثقتك في اللي اتعلمته على مدى عمرك وتنساق ورا كلام الجماعة الدينية، ودول هما النسبة الأعلى بكتير. 

هل خطاب الدولة نجح؟
للأسف جزء كبير من مصر المتعلمة انهاردة بيفكر أكنه فعلا جزء من دولة الحجاز، مثلا:
كيف كرم الإسلام المرأة؟ الإجابة الأولى "الإسلام منع وأد البنات"، الإجابة بتبين قد ايه انتماء المصري انهاردة لدولة الحجاز، أنا كمصري مكانش عندي مشكلة وأد البنات أساسا عشان أقول ان الاسلام حلها، في المقابل كان فيه عادة مصرية سيئة وهي ختان الإناث فأنا كمصري أسأل هل ألغى الإسلام ختان الإناث؟ الإجابة لأ!هو منع وأدها (وديه مش مشكلتي كمصري) وجاب للمرأة المصرية ٣ زوجات وملكات يمين يشاركوها جوزها وخصم نص ميراثها ومنعها من تولي الولاية العامة وحطها في البيت وسمح بضربها.
مثل تاني لما يجي مصري ويقول "قال سيدنا عمر لقد أعزنا الله بالإسلام وان ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" طب سيدنا عمر ده راجل بدوي عايش في الصحرا والله أعزه بالإسلام لأنه بالإسلام غزا الدول الغنية حضاريا المحيطة به -اللي منها مصر- وسلب ثرواتها وإغتنى. عمر أعزه الله بسلب أموال جدودك يا مصري، انما أنا كمصري الإسلام أعزني بإيه؟انا كمصري كنت تحت احتلال روماني، وبدلته بإحتلال عربي، هل أنا أعزني الله لما عدد الجواري بتوع سيدنا عمر زادوا على حسابي؟
طبيعي ان عمر يقول الجملة ديه لكن اللي مش طبيعي ان واحد مصري يقولها، الإسلام بالنسبة لسيدنا عمر كان نقطة بداية لكن بالنسبة ليا أنا المصري هو يمثل آخر درجة من درجات الإنهيار الحضاري لدولة الوادي. 

هنا المصري بتلاقيه تحول كليا وبيتخيل نفسه جزء وامتداد لدولة الحجاز ومش قادر يستوعب مين جدوده وايه اسهامهم الحضاري. 


الدولة بتحارب مين في الشوارع؟
الموقف إنهاردة هو إن  الجهاز الأمني للدولة بيحارب مجموعة صدقوا اللي اتعلموه عن طريق جهازها التعليمي والإعلامي. الدولة بتحارب مجموعة إنتماءهم بقى أكتر لدولة الحجاز بقيمها البدوية وبقوميتها التأسيسية الدينية. الدولة نفسها بتمرر خطاب عروبي/ديني جوة منظومة التعليم فيه تمجيد لقيم دولة الحجاز بما فيه من اعلاء لقيم الغزو و السلب على حساب قيم الإنتاج وبما فيه من قيم تمييز ضد المرأة وضد الآخر الديني وبتروجله على انه منظور ديني فوق.
الغالبية العظمى من اللي موجودين في الشوارع انهاردة من مصر المتعلمة اللي عندهم انتماء لدولة الحجاز وبتجمعهم قومية دينية أقوى بكتير من القومية الوطنية المصرية، في المقابل مصر الأمية أبسط من انها تتخيل علاقة قومية بينها وبين السعودي والشيشاني والقطري على أساس وحدة الدين هما مايعرفوش غير مصر.
خطاب الدولة التعليمي والإعلامي نجح لحد كبير في زرع الإنتماء لدولة الحجاز في ذهن المتعلمين لكن في المقابل الدولة ككل فشلت.

هل الأمية هي الحل؟
بالتأكيد لأ لكن مش هي المشكلة، الأمية مشكلتها انها بتأدي لضعف الكفاءة الإنتاجية للمواطن والتعليم بيزود كفاءة المواطن الإنتاجية لكن تعليمنا بيخلق مواطن ثقافته وقيمه الأساسية بدوية وإنتماءه الأساسي بيكون لدولة الحجاز مش لدولة الوادي!
زي مابيقول بيومي قنديل في كتابه "حاضر الثقافة في مصر": انه لو قمنا بمحو هذه الأمية بهذا التعليم فهو ما يهبط فيما لو بلغ نهاية الشوط إلى حد إقتلاع الثقافة المصرية القومية أي فرض الإبادة الثقافية على شعب مصر.
ال٤٠٪ مش طرف في المشكلة انهاردة، ال ٦٠٪ المتعلمين هما اللي بيشدوا عكس بعض. احنا جربنا الديموقراطية، وجالنا في السلطة أنصار الخلافة، العثمانيين الجدد، ذهنهم وعاطفتهم القومية لصالح دولة تانية عايزين يبنوها، دولة امبريالية ومصر ولاية فيها. الدولة بتاعتهم هي دولة الخلافة اللي درسوها وحبوها في المدرسة.
التردد الموجود جوة مايسمى بالوسطي مابين دولة الوادي (اللي بيكتسب صفاتها من التقاليد المجتمعية المتواترة) أو دولة الحجاز (اللي بيكتسب صفاتها من التعليم) اتحسم المرة دي لصالح دولة الوادي، حتى إشعار آخر، لكن هل لو استكملنا محو كل الأمية بالتعليم ده هيفضل الحسم لصالح دولة الوادي؟
إحنا بنحارب مين؟ كتاب القراءة وكتاب التاريخ وكتاب الدين والإعلام!

ولسة فيه كلام...

الجمعة، 17 يناير 2014

منين ولفين؟ -أثناء "عودة الروح"-



سنة ٣٣ كتب توفيق الحكيم روايته "عودة الروح" اللي بيحكي فيها وبيحلم بعودة الروح المصرية المستخبية والموجودة جوة الفلاح الغلبان. كتب عن مصر اللي دايما ساعة الشدة رصيدها الحضاري بيسعفها، عن الفلاح المصري اللي يقدر يكرر معجزة الهرم تاني لكنه ناقصه المعبود اللي يوحده من تاني ويديله الهدف ويرجعله ثقته في نفسه واللي يشيل من فوقه العربي البدوي والعثمانلي اللي عاملين نفسهم أسياد عليه! الرواية فيها "الشعب" وفيها "سنية" -مصر- البنت بارعة الجمال اللي بتشبه في جمالها إيزيس اللي لما بيقابلها كل فرد من الشعب بيشوف الجزء المشرق في نفسه و بيزدري اهماله لنفسه وحاله الكئيب وبيكون عنده قدرة يعمل أي حاجة عشان يفوز بيها.

عودة الروح المصرية
الروح ديه بدأت فعلا على أرض الواقع تعود بعد ٢٣٠٠ سنة إحتلال، بالتدريج وببطء، وده بدأ في الدولة الحديثة بظرف تاريخي وهو إحتياج محمد علي لإنشاء جيش قوي عشان يكون نواة لإمبراطوريته. وبدأ فعلا بإنشاء جيش وكان في الأول من السودانيين إللا إن التجربة فشلت جدا و بعدها قرر يجرب إنه يخلي جيشه من الفلاحين واللي يظهر ان رصيدهم الحضاري بدأ فعلا يسعفهم و أثبتوا كفاءة عالية وحققوا لمحمد علي انتصارات كبيرة. وبرغم من إن الظرف التاريخي ماكانش الهدف منه إعادة الروح المصرية ولا كان بمجهود المصريين إلا إن كفائتهم خلتهم يحتفظوا بمكانهم في الجيش، وبدأ المصريين يدخلوا أول مرحلة من مراحل عودة الروح.

تاني مرحلة كانت حوالي ١٨٥٦ وهي في عهد سعيد باشا لما سمح للمصريين كلهم انهم يدخلوا الجيش (المسيحيين والمسلمين وإلغاء الجزية) والسماح ليهم إنهم يكونوا ظباط في الجيش ويمسكوا مناصب إدارية فيه.

تالت مرحلة وكانت في ١٨٨١ واللي بدأ يظهر فيها أول معبود من ولاد البلد كانت في رأيي ثورة عرابي، واللي تجلى فيها أول شعور قومي مصري وبدأ فيها المصري يحس بظلم بسبب تعطيل ترقيته لصالح الأتراك. وبعدها سيطر المصريين على الجيش وبقى وزير الدفاع (ناظر الجهادية) مصري مش تركي!

رابع مرحلة وكانت في ١٩١٩وهي تطلع المصري للمشاركة الحقيقية في الحكم والمطالبة بتحويل مصر لملكية دستورية وتحديد سلطات الملك وفي ١٩١٩ ظهر تاني معبود للمصريين من ولاد البلد، سعد زغلول، والمرة دي بعد ما زاد التعليم وظهرت طبقة مصرية مثقفة من ولاد الفلاحين، المجتمع المدني بقى قوي  وكان المعبود المرة دي مدني مش عسكري، وتوفيق الحكيم رصد في روايته "عودة الروح" ظهور المعبود ده.

خامس مرحلة وكانت في ١٩٥٢ وهي إن الفلاح وصل لأعلى منصب في الدولة وكان بإلغاء الملكية ووصول ابن الفلاح لرياسة مصر وظهر معبود مصري جديد من ولاد الفلاحين و اللي نشأ وأثرت فيه فترة ثورة ١٩ واتأثر كتير برواية "عودة الروح".

وده ملخص مراحل عودة الروح من وجهة نظري: دخول الجيش> المشاركة في إدارة الجيش > السيطرة على قيادة الجيش > المشاركة في الحكم > السيطرة على الحكم.

إبن الفلاح في القصر
من ساعة ما ابن الفلاح مسك حكم البلد وإحنا فتحنا صفحة جديدة ظهر فيها التشوه اللي أصاب ابن الفلاح ده بعد سنين دي كلها من الإحتلالات المتتالية لبلده و ده ظهر في التخبط في الحكم اللي بنعانيه لغاية دلوأتي:
أول ابن فلاح -عبد الناصر(*)-: زي ماقلت، عبد الناصر اتأثر كتير ب"عودة الروح" وحاول يجسدها في الواقع لكن للأسف الموضوع مامشيش زي ما الحكيم تصور. من حسن حظنا ان التلميذ مات قبل الأستاذ وكان عند توفيق الحكيم، مبدع عودة الروح، فرصة في سنة ٧٤ انه يعلق على تلميذه البليد في كتابه "عودة الوعي" واللي رجع الحكيم في آخره يتمنى عودة الوعي للمصري اللي دمره ناصر بمخاطبته بس لعواطف الناس وتدميره لوعيهم اللي كان اتبنى ببطء وبصعوبة في الفترة اللي قبله. أول ابن فلاح لما مسك البلد دور لنفسه على هوية غير هويته وهوية أبوه ينسب نفسه ليها وكانت أول هوية هي "العروبة" يمكن بسبب اللغة الرسمية المكتوبة ويمكن كمان عشان يلغي أي صلة بآخر نظام كان قبله واللي كان بيعتمد بس على الدين كأساس للشرعية لأنهم لا كانوا مصريين ولا عرب، يمكن كمان طموحه انه يكون زعيم المنطقة العربية اللي كانت برضه عندها ذكريات وحشة مع الإحتلال العثماني. حضرته بدل ما يركز في بيته رايح يعمل زعيم الحارة كلها. هو حدد الملكية وإدى الفلاح الأرض ولغى الألقاب والطربوش لكنه أخد من المصري مصريته وإداله مكانها عروبة، إدى للمصري الأرض وأخد منه الوعي اللي هيخليه يفلح الأرض ديه.

جالنا بعدها تاني ابن فلاح -السادات- واللي بعد ما صلح اللي عمله اللي قبله ورجع الأرض حب يكون هو كمان زعيم فإختار هو كمان هوية يدعمها ويتكلم على أساسها وهو كمان ماخترش الهوية المصرية، هو رجع لآخر هوية قبل الزعيم اللي هو عايز يورث مكانته، الهوية الإسلامية، وطبعا غرقنا في الإرهاب ودفع هو تمن لعبته.

جه بعدها تالت ابن فلاح -مبارك- واللي جه يصلح اللي عمله اللي قبله وقعدنا نحارب في الإرهاب. مبارك بقى تحسه كان موظف أو ناظر وقفية، كان يرأس دولة تسيير أعمال فقط، ماحاولش يغير أو يعدل حاجة في التركة، هو بس بيديرها زي ماهي، أحيانا كانت بتجيب فلوس وأحيانا لأ وأحيانا بيشحت علينا، هو ساب العروبي عروبي و الإسلامي إسلامي واللي بيزيط يزييط.

وجالنا بعدها رابع ابن فلاح -مرسي-وده التشوه الطبيعي لواحد عاش طفولته في زمن ناصر وشبابه في زمن السادات ورجولته في زمن مبارك. ولا تعليق آخر عليه.

في انتظار عودة الروح 
أدينا مستنيين خامس ابن فلاح، وكالعادة هو جاي يصلح عك اللي قبله، كل شوية رصيد العك بيزيد وعلاجه بيكون أصعب، من وقت عبد الناصر وكل رئيس بييجي بيصلح حتة ويعك حتة. كل ابن فلاح بيجرب يصحي روح أجنبية جديدة، إسلامية أو عربية أو خليط. ابن الفلاح قاعد يتعلم يحكم بلده، قاعد عمال يألف في هويات يدير بيها بلده وبلد جدوده، هو صدق اللي قالوهولوا العرب والأتراك عن جدودوه وعن أبوه الفلاح إنه عبد، يا أهبل دول عايزين يكسروك، هوية أبوك ديه هي اللي وحدت الناس وجمعت سكان الوادي مع بعض حوالين بلدهم وخليتهم يبنوا الهرم قبل كدة. هوية أبوك دي هي الهوية والروح المصرية، العروبة والإسلام دول ماهماش من انتاج وادينا ولا امتداد طبيعي ليه ولا في يوم اهتم الولاة العرب ولا المسلمين بسكانه، كنا مش أكتر من نهيبة ليهم هما حولوا كلمة "فلاح" لشتيمة وانت صدقتهم.

إنك تحاول تقنع سكان الوادي إن الهوية اللي رابطاهم مع بعض هي العروبة أو الإسلام، إنت عامل زي اللي عربيته بتشتغل بالبنزين وهو مُصِر يمشيها بالسولار، مش هتمشي. إذا حاولت تغير قيم الفلاح الأمي البسيط المبنية على حضارة زراعية مسالمة منتجة لقيم بدوية عدوانية مبنية على حضارة رعوية غير منتجة وتمجد السلب، الفلاح البسيط الأمي كدة هو الخسران!

محتاجين ثورة؟ جايز محتاجين، لكن متجيش تعمل ثورة وانت كل معلوماتك عن الشعب المصري هو تاريخ دول أوروبا الشرقية، ممكن نستفيد بتجارب خارجية لكن مش Copy&Paste. لما تكون الهوية العربية والإسلامية مش نافعة مع سكان وادي النيل، فغالبا الهوية اليوغوسلافية مش هتنفع!
 

ولسة فيه كلام...




* مسقط رأس عبد الناصر هو قرية بني مر و بني مر هي قبيلة عربية مش من الفلاحين وجذورها في اليمن وفيه  بيقولوا إنه ينتمي فعلا للقبيلة اليمنية ولكن حسب بنته هو فلاح ابن فلاح ولا ينتمي للقبيلة العربية. في الصعيد أحينا تسمى أماكن أو قرى بإسم قبيلة عربية ولكن قد يكون سكانها فلاحين ومش لازم يكونوا منتميين للقبيلة. ورأيي الشخصي إن اللي يتأثر برواية عودة الروح بما فيها من وصف سلبي للبدو فهو أكيد مش بدوي.

الخميس، 28 نوفمبر 2013

منين ولفين؟ -برضه المصري مصري!-


مقال كمان من سلسلة منين ولفين، هتكلم فيها عن حاجة كمان لاحظتها بعد الثورة وهي وجود إنقسام حقيقي بيننا إحنا المصريين في تعريف نفسنا! مصريين؟ عرب؟ ننتمي للأمة الإسلامية؟ الإختلاف السياسي بيننا مش في طريقة بناء الدولة إحنا مختلفين أصلا في الدولة اللي عايزين نبنيها هل هي دولة مصرية واللا عربية واللا خلافة إسلامية.أنا هحكي شوية قليلين عننا زمان، يعني مش زمان قوي،أحوالنا وشعورنا القومي وعيوبنا وإحساسنا ببلدنا وتاريخنا، زمان حتى قبل إكتشاف حجر رشيد وقبل فك رموز اللغة المصرية ومعرفة تاريخ الفراعنة.
بعد حوالي سنتين (من يونيو ١٦٧١ لأكتوبر ١٦٧٣) قضاهم الراهب الأفرنجي فانسليب في مصر، سافر كل حتة وكتب كتاب(*) وصف فيه اللي شافه، القاهرة والصعيد والفيوم، مدن كبيرة وقرى صغيرة، الأهرام ومعابد الأقصر وحتت تانية كتير....
فانسليب كتب في كتابه الجزء ده واللي بيوصف فيه شخصية المصريين زي ما شافهم وسمعهم وعايشهم:
" (المصريين) عيوبهم الشخصية المعتادة هي الكسل والجبن، وده هما بيشوفوه طبيعي، لدرجة إن كلهم عندهم لمسة من الصفتين دول، سواء كانوا مصريين مسلمين(+) أو مصريين مسيحيين: شغلتهم كل يوم يدخنوا ويشربوا قهوة أو يقعدوا في حتة مابيعملوش حاجة، أو يقعدوا يتكلموا مع بعض.
هما جهلة في كل أنواع العلوم والمعارف؛ هما معتزين بنفسهم جدا، وكلهم يعرفوا إنهم فقدوا مكانتهم العالية، بلدهم، كل معارفهم ،معرفتهم الحربية، لغتهم، كتبهم الرئيسية وتاريخهم، وده اللي خلاهم بدل ما كانوا أمة مشهورة وشجاعة بقوا مجرد عبيد، مكروهين ومذلولين؛ برغم كدة هما فخورين جدا، من كتر فخرهم الواحد يفتكر إنهم مش محتاجين حاجة خالص. مش بينبسطوا لما إحنا الفرنساويين ننصحهم إنهم يبعتوا أولادهم يتعلموا الفنون والعلوم عندنا، ويعرفوا إزاي إحنا بنعيش وبنتصرف."
تعليقه يحزن ويفرح ويلخبط!
ده حالنا بعد حوالي ٢٠٠٠ سنة إحتلال؛ فرس، يونان، رومان، إسلام (عرب، بربر، أكراد،مماليك، أتراك) هو الإحتلال كدة، بيحاول يزرع الجبن والكسل فينا،من خاف سلم، لأن اللي بيتجرأ بيموت زي البشموريين، ف مش بيتبقى غير اللي بيخاف! 
لكن فخرنا محدش عرف ياخده مننا فضل عايش جوانا حتى زي ماقلت قبل إكتشاف حجر رشيد وقبل فك رموز اللغة المصرية وقبل معرفة حاجة عن الحضارة المصرية ومن غير ما نقرا حاجة عنها. هي في دمنا هي شكلت أخلاقنا حتى وإحنا فقرا وتحت إحتلال! 
ذل بعد عظمة وفقر بعد غنى كلنا ورثنا مجد جدودنا قبل حتى ما نقرا عنهم حرف كنا عارفين إن كان عندنا مكانة عالية ومعارف كتيرة وجيش قوي ولغة مصرية وعزة وشجاعة، ورثنا عزة نفس الأكابر وإحنا مذلولين. دايما جوانا صوت مانمدش إيدينا عيب جدنا كان غني! 
لما جد من جدودنا المصريين بقى مسلم،يمكن دفع فلوس أقل للمحتل لكنه فضل عايش تحت نفس الإحتلال. الإحتلال مدخلش المسلم المصري الجيش! مادلهوش سلاح! مخلهوش سيد في بلده، مفيش والا مرة تولى الحكم في مصر حاكم مصري حتى لو مسلم! هو فضل مع المسيحي عايش نفس العيشة ووارث نفس الورث. بالنسبة للعربي أو الكردي أو المملوك أو التركي: المسيحي والمسلم دول هما المصري اللي واخدين أرضه ولازم يفضل خايف!
لما إتعمل جيش الفلاحين وبدأنا نمسك السلاح تاني (بالرغم من كره المصريين لده في الأول) بدأت ترجع ثقتنا في نفسنا ببطء لكن بالرغم من كدة فضل الجيش بالأساس تركي لأن الضباط كانوا أتراك، لغاية ما بدأ فعلا يتحول لجيش مصري في عهد سعيد باشا (٥٤-١٨٦٨) اللي بدأ يدخل المصريين كضباط جيش واللي كان فيهم أحمد عرابي. هنا ممكن نبتدي نتكلم عن جيش مصري وعن شعور قومي حقيقي بدأ ينشط بقوة عند الضباط دول وبدأ المصري الجاهل يتعلم وبدأ واحدة واحدة يتعافى وشعورنا القومي بماضينا اللي عمره ما وقف بدأ يكبر تاني لغاية ماوصلنا لأول نقطة مواجهة وأول حوار بين حاكم  أجنبي غريب "مسلم" وبين إبن البلد دي المصري "مسلم برضه"
توفيق: "كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، وأنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا"
عرابي: " لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقار فوالله الذي لا إله الا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم"
هو كان مسلم مصري وعنده نفس الشعور العام للمصريين إننا أمة تورث ولما رجعتله ثقته في نفسه سعى لتغيير ده، أحمد عرابي وهو عايش تحت ظل الخلافة ماكانش حاسس إنه عايش حر في بلد حر، العاطفة الدينية ماعوضتهوش عن شعوره بالحرية والا الحاكم المسلم عامله على إنه حر، عمر ما الحاكم المسلم إتعامل إنه مسلم بيحكم مسلم لكن التعامل دايما إنه عربي أو كردي أو تركي بيحكم مصري. لما راحوا الترك، شوية من المصريين المتشددين -بسبب العاطفة الدينية- نسيوا اللي فات، قرروا يرجعوا مصر تاني ولاية، عايزين يرجعوا تاني الأجنبي فوقها، عايزين يهدوا بلدهم ويبنوا دولته تاني على أنقاضها؛ ولغاية ما ده يحصل شوية تانيين متشددين أكتر قرروا يعملوا بنفسهم اللي الإحتلال الطويل عمله فيهم وفي أجدادهم، قرروا يميزوا ضد المصري أخوهم وقرروا يعملوا نكتة تاريخية أول مرة تحصل هما قرروا يحتلوا بلدهم فعلا، قرروا يدّفعوا المصري أخوهم جزية! مصري يدفع جزية لمصري! بالذمة ده كلام؟!
إنت لازم تسأل نفسك! إنت مين وبتورث أنهو تاريخ وبتنتمي لأي أمة، المصرية؟ واللا أمة تانية؟ إنت إبن البلد واللا جاي تحتلها؟ مجدها في دمك وعايز ترجعوا واللا عايزها ولاية وترجع السيد الغريب عليها! لو جه الغريب التركي واللا العربي مش هيحترمك! هترجع تاني مذلول يا أهبل!
ولسة في كلام....


(*)كتاب فانسليب ١٦٧٨م "الدولة المصرية الحالية"


Wansleben, J; The Present State of Egypt; 1678
Their (the Egyptians) ordinary vices are idleness and cowardice, which is so natural to them, that they are all touched with them, whether they be Mores(+) or Copties: their ordinary employment everyday is to smoke Tobacco, and drink Coffee, to sleep or lay in a place idle, or sit talking together.
They are ignorant in all manner of sciences and knowledges; they are very proud and vainglorious; and though they all know that they have lost their nobility, their country, all knowledge and exercise of arms, their language, their chief books, and public histories, and that instead of a famous and valiant nation that they were heretofore, they are become mere slaves, an odious and a contemptible people; nevertheless they are so proud, as you think that they have need of nothing. They are displeased when we Francs advise them to send their children into our country to learn the arts and sciences, and to understand how we live and behave ourselves.
   
(+) فانسليب بيميز المصريين عن العرب عن الأتراك عن الشركس. المصريين عنده بينقسموا للمصريين المسيحيين (Copties) والمصريين المسلمين (Moors/Mores) مفردها (Moor) سبب التسمية بالنسبة ليه مجهول وفانسليب كتب إن الموورس والأقباط بينحدروا من نفس الأب لكن الموورس هما اللي بقوا مسلمين! وفي وصفه للعرب هو كاتب إنهم ماكانوش بيختلطوا بالمصريين والا حتى بالمسلمين منهم!

الاثنين، 28 أكتوبر 2013

منين ولفين؟ -دولة محمد علي... سلطوية/غير متسقة-

(آسف المقال طول مني من غير قصد :))
إستكمالا لسلسة منين ولفين وملاحظة جديدة وضحتها ال٣ سنين اللي فاتوا هو التناقض الشديد على المستوى الشعبي مابين فريق الدولة المدنية وفريق الدولة الدينية في تصورهم لشكل الدولة وعلاقة الدين بيها، والتردد الشديد الموجود جوه تيار الدولة المدنية وعدم وضوح رؤيته وعدم جرأته على طرح أفكاره. والتناقض على المستوى الرسمي بين اللي الدولة بتوعد بيه وبين اللي بتقدمه. بين إنهاء حكم الإخوان وإحترام إرادة حزب النور بين وسطية الأزهر الإجتماعية وتطرفه الرسمي في مواد الهوية. وهنا هحاول أناقش الموضوع ده هحاول أوصل لأسبابه.
 لو رجعنا شوية ورا حتى قبل الإخوان. مصر كانت ولاية عثمانية بيحكمها المماليك وكان الدين بيسيطر على شرعية الحاكم وعلى التشريع والقضا وعقيدة الجيش. والمنطق السائد كان "الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع".
محمد علي دخل في المنظومة ديه وإستمد شرعية حكمه من الدين فعلا (مشايخ الأزهر في وقتها) وبدأ يحاول يحقق حلمه الإمبريالي وكان من حظنا انه مصر كانت هي مركز حلمه وبدأ ينشئ دولة محمد علي. محمد علي كان هدفه السيطرة الكاملة على مرافق الدولة في الأول وإنه يستبدل سيطرة الدين على مرافق الدولة بسيطرته هو: نفى مشايخ الأزهر اللي ليهم تأثير على شؤون الحكم واللي لعبوا دور في توليته هو شخصيا كحاكم (عمر مكرم)، أنشأ الدواوين وأنشأ لوايح تحكم كل ديوان للدولة ينظم عملها لا يعتمد على الشريعة، أنشأ جيش الفلاحين وحط السلاح في إيد المصريين بعد غيبة أكتر من ٢٣٠٠ سنة (في ١٨٥٦ سقطت الجزية ودخل المسيحيين كمان الجيش وبقى جيش مصري وطني). وفقد الإسلام بالتدريج السيطرة على شؤون الحكم والتشريع والقضا وعقيدة الجيش لغاية عصرنا! ومن ساعتها والإسلام بيحاول يستعيد الأدوار ديه.

دولة محمد على كان فيها تناقض غريب، من ناحية، شرعية حكم محمد علي مبنية على الإسلام كأساس للحكم وعلى إن مصر "مسلمة"، فهو ليس حاكم ألباني لدولة مصرية هو حاكم مسلم لدولة مسلمة، ومن ناحية تانية، هو كان يعلم إنه لبناء دولة قوية يجب تنحية النموذج الإسلامي عن المشهد وتبني النموذج الغربي. التناقض ده خلى مشروع محمد علي حافظ على هوية إسلامية إسمية للدولة وفي نفس الوقت حييد المنهج الإسلامي في الحكم وخلق منهج محلي أقرب للمنهج الأوروبي. وهنا دولة محمد علي خلقت منطق جديد و متناقض وهو "الإسلام دين صح لكنه ضار للمجتمع" في مقابل المنطق السائد قبل كدة واللي كان أكثر إتساقا (مش بالضرورة أفيد).
منطق دولة محمد علي موجود بوضوح لليوم في مصر في جهتين:
على المستوى الرسمي: في جهاز الدولة وهو الوارث الشرعي لدولة محمد علي وجهازها الإداري والتنفيذي وفي الصف الأول من قيادات الأزهر المعينين. عشان توصل لمنصب قيادي في جهاز الدولة لازم تفهم منطق دولة محمد علي وتحافظ عليه (سواء كنت مسيحي أو مسلم). لازم لا تنتقد الإسلام وفي نفس الوقت لا تطالب بتطبيق أحكامه. الدولة عندنا لازم يكون ليها مؤسسة دينية بتعبر عنها وبتمثل جزء كبير من شرعيتها الحقيقية وفي حالتنا هو الأزهر. والأزهر يعلم انه تحت سيطرة الدولة، لكن فيه حد أدنى الأزهر بيحافظ عليه من تمثيل الدين في الدولة وهما قضيتين رئيسيتين، المادة التانية ومحاربة العلمانية وفي الحاجتين دول الدولة بتستجيب.
على المستوى الشعبي: الجزء المنفتح على القيم الغربية من المجتمع سواء بسبب خبرة شخصية أو قراية أو تأثرا بالطبقة الأعلى اللي بتتبنى قيم غربية. هما مثلا في موضوع قطع يد السارق مش عايزين يشوفوا ده بيتطبق وإجابتهم لما بيتواجهوا بالشريعة بتتراوح ما بين "لما نبقى دولة غنية نبقى نطبقه" أو "لما يحكمنا حاكم صالح زي عمر بن الخطاب" أو حتى بشكل جرئ "دي همجية وضد حقوق الإنسان" والتيار الليبرالي المصري بيمثل الحد الأعلى فيه. حوار عمرو أديب بيبين شوية المنطق ده وإيه مشكلة عدم إتساقه: 
 http://youtu.be/b33_DoKqreA
منطق الدولة والليبراليين الغير متسق بيبينوا سؤال عمرو أديب "إيه العيب إن مصر تحكم بالشريعة الإسلامية؟.. هو مش الدين بتاعنا بيقولنا كده؟" وأمثلة كتيرة في حوارات الليبراليين مع التيار الإسلامي في ال ٣ سنين اللي فاتوا.
عدم إتساق منطق الدولة ده معلوم و يتم الحديث عنه "خلف الأبواب المغلقة" سواء من التيار الليبرالي أو من بعض النافذين في الدولة.

الدولة المصرية الحديثة كان دايما دورها هو فرملة الدين عن العودة لدوره في الدولة وفي المقابل الإسلام بيحاول يستعيد دوره  فيها. 
أي فكرة ليها طابع إجتماعي غير قادرة على العمل بذاتها. الفكرة تكتسب حياة وقدرة على الفعل من خلال البشر الذين يؤمنون بها و الإسلام كأي فكرة يعمل من خلال بشر يؤمنون به. الأفكار اللي من النوع ده بيكون ليها نوعين من المؤمنين، كتلة فعالة وديه كتلة بتاخد الفكرة بمنتهى الجدية وبتشوف نفسها أمينة عليها وهي مسؤلة عن إستمراريتها ودول تقريبا ١ أو ٢٪ وبيكونوا هما المخ والباقي بيكونوا كتلة تابعة وهي اللي بتتأثر بتنظير الكتلة الأولى وبتشوف فيهم أبطال ومثل أعلى وبيكونوا هما العضلات. لما فريق من الكتلة التابعة بيجد إن المجموعة الفعالة مش بتلبي طموحه بيبتدي هو يتنقل وياخد دورها وهنا بتظهر كتلة فعالة جديدة وتبتدي تستقطب كتلة تابعة، وهكذا... وده بيحصل حتى على مستوى الأحزاب السياسية.

الإسلام هنا بيحاول يستعيد دوره من خلال المؤمنين بيه:أولا من خلال الأزهر ولكن بصورة بطيئة بسبب سيطرة الدولة عليه، وثانيا من خلال الإخوان اللي ظهروا كجماعة دينية لتعويض بطء الأزهر في إعادة دور الدين في الدولة وكانوا أكثر جرأة من الأزهر في خطابهم -هما شافوا إن الأزهر مش بيلبي طموحهم فكونوا هما كتلة فعالة جديدة وبدأت تستقطب تابعين- الى أن تم قمعهم ثم إحتواءهم من الدولة، وثالثا من خلال السلفيين اللي ظهروا هما كمان لتعويض بطء الإخوان وكانوا أكثر جرأة في مطالبتهم بعودة دور الدين وكانوا أكثر عنفا. الإختلاف بين التلات جهات هو إختلاف كم مش إختلاف نوع. عامل زي التعبان الأسطوري الهيدرا كل ماتقطعله راس يطلعلك غيرها. والتلات جهات دول هما أصحاب المنطق القديم ("الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع") وهو الأكثر إتساقا من منطق الدولة.

بيحصل إن الناس غالبا بتكون غير مهتمة بالبحث عن منطق متسق (عايشين في الموجود وخلاص) لغاية ما تبتدي تتواجه بأفكار أكثر إتساقا، المواجهة دي بتحفزك عشان تختار موقف واضح أكتر. لما ده بيحصل، مجموعة بترفض المواجهة أصلا وده بيكون بتخوين أو تسفيه الأفراد اللي بيمثلوا الفكرة المقابلة (وده بيحصل فعلا مع الإخوان والسلفيين والأزهر لما بيتشدد) وبكدة بيهربوا من مناقشة الفكرة نفسها ودول الأكترية اللي بتحاول تحافظ على المنظومة الفكرية بتاعتها من غير تغيير، ومجموعة تانية فعلا بتسعى جديا في البحث عن منطق متسق، جزء منهم بيتبنى منطق الإسلاميين والجزء التاني -ودول الأكثر جرأة وقدرة على التمرد- بيخلقوا منطق جديد متسق بيعارضوا بيه الفكرة المعروضة وبيتمردوا بيه على الفكرة الغير متسقة  والمنطق الجديد اللي إتخلق عندنا هو "الإسلام ضار إذا هو خطأ" وده بيتمثل شعبيا في الملحدين اللي بدأوا يظهروا بوضوح رافضين لمنطق الدولة الغير متسق ورافضين منطق الإسلاميين الرافض للحداثة ودول أقلية لكنها الأقدر على نقد المنظومة الفكرية القديمة وقادرة على تجديدها.

في الآخر، عشان أي فكرة تقدر تصمد قدام الأفكار التانية لازم الأول تكون قادرة على الصمود قدام نفسها. لازم الأول تكون فكرة متسقة, وده مش موجود في الفكرة اللي مبنية عليها دولة محمد علي واللي بتتبناها المجموعة المدنية والتيار الليبرالي. عدم الإتساق ده بتعوضه الدولة بممارسات سلطوية وسيطرة على الخطاب الديني (إعتقال الإسلاميين والملحدين في نفس الوقت، أصحاب الفكرة الأكثر إتساقا)، وعدم الإتساق ده هو اللي بينعكس على التيار الليبرالي ويظهر كلامه دايما متردد ودفاعي وغير مترابط لما بيتكلم عن تصوره لشكل الدولة وعلاقة الدين بيها. لما سيطرة الدولة بتضعف شوية أصحاب الفكرة الأكثر إتساقا (حتى ولو ضارة) بيكونوا أقوى. لمقاومة سلطوية الدولة يجب أن نبحث لها عن فكرة تأسيسية تكون "مفيدة" و "متسقة"! هل هي واحدة من التلاتة ("الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع"، "الإسلام دين صح لكنه ضار للمجتمع"، "الإسلام ضار إذا هو خطأ") وللا في فكرة جديدة؟ ده موضوع تاني! لكن طول ما الدولة بتحاول تحافظ على الشرعية الدينية ليها وفي نفس الوقت بتحاول تقدم نوع من الحداثة وطول ما التيار الليبرالي والمجموعة المدنية بتتبنى نفس المنطق هتفضل قرارتنا كلها دفاعية, هيكون أقصى طموحنا إننا نثبت مكاننا ومانرجعش لورا ,مفيش قرار بناخده عشان نتحرك بيه لقدام وهتفضل سلطوية الدولة هي ملجأ الليبراليين! سلطوية الدولة اللي كل شوية بنلجأ ليها بقت زي ال hand break فايدتها إنها توقفنا مكاننا.
المشكلة مش سياسية ولا الحل في تغيير الرئيس! إحنا ثرنا على مبارك وهو العرض ولكن لم نجرؤ على الثورة على المرض نفسه.
في مقولة بتقول "من يقوم بنصف ثورة يحفر قبره بيده"، الثورة على مبارك هي نصف ثورة على المشكلة و قد كدنا فعلا أن نحفر قبر مصر بأيدينا. الجيش رجع؟وإنت زعلان؟لو جرئ قوي وبتاع ثورة يبقى يا إما تثور على المشكلة كلها يا إما تقعد في بيتكم!
ولسة في كلام...