مقالة جديدة في سلسلة "منين ولفين" واللي لسة بحاول أكتب فيها عن النقط اللي بقت واضحة قدامي بعد التلات سنين اللي فاتوا، المرة دي أنا هحاول أرصد شوية حدث ٢٥ يناير في لحظتين بس منه وهما -زي ما العنوان بيوضح- بدايته ونهايته، وفي الآخر هحاول أكتب عن شوية إستنتاجات وضحتها أسباب بداية ونهاية ٢٥ يناير ممكن تكون دروس تدعم نوع من التغيير في المستقبل.
أنا سميته "حدث" لأن توصيفه كثورة أو كإحتجاجات هو واحدة من النقط اللي هتكلم عنها في المقال. كلامي في العنوان عن "النهاية" هو نقطة إختلاف عند كتير من الناس لأن ٢٥ يناير هو حدث ليه بداية، فيه شوية شايفين إنه مازال مستمر وشوية شايفينه انتهى وديه نقطة تانية هتكلم فيها في المقال ده برضه.
البداية (ال Ignition)
٢٥ يناير بدأت كإحتجاجات ضد النظام وزي أي إحتجاجات ممكن تكون شرارة لثورة (Ignition spark)، التفسير الطبقي للمجتمع ممكن يفسرلنا أسباب الإحتجاجات لكن لإستكمال التفاعل والحديث عن ٢٥ يناير كثورة وتقييم نجاحها أو فشلها فيه الجانب الاجتماعي والثقافي اللي هيسيطر كنتيجة للإحتجاجات دي.
٢٥ يناير كحركة إحتجاجية نجحت بالفعل في ٣ نقط أساسية وهما:
١-عزل مبارك.
٢-منع التوريث.
٣-إيصال رسالة للدولة بإن اللي بتعمله الشرطة مش مقبول.
٢٥ يناير كمان اتنقلت من مرحلة الإحتجاجات لمرحلة الثورة لما أفرزت على أرض الواقع نموذج ثقافي كان في طريقه انه يسود المجتمع بالفعل. النموذج ده جايز مايكونش هو الهدف للتيارات اليسارية والليبرالية اللي بدأت الإحتجاجات، لكن في النهاية النموذج الثقافي اللي أفرزته ٢٥ يناير كان نموذج أصولي إسلامي. هل ده كان بقصد من الثوار (زي ما بيسموا نفسهم) أو بسبب سوء تنظيم منهم؟ أنا معرفش، اللي أعرفه ان رئيس جمهورية مصر الثورة كان اسمه محمد مرسي عيسى العياط.
مثلا في إيران اللي بدأ الإحتجاجات ضد الشاه كانت تيارات مشابهة للي بدأت الإحتجاجات المصرية لكن النموذج الثقافي اللي ساد هو النموذج الإسلامي عشان كدة الثورة الإيرانية للآن معروفة كثورة إسلامية.
وعشان كدة لو هنوصف ٢٥ يناير من وجهة نظر النموذج الثقافي اللي ساد بعدها فهتكون ثورة إسلامية، برغم التوجه المدني للإحتجاجات الأولى.
نهاية ٢٥ يناير
الشخصية الثقافية اللي نتجت من ٢٥ يناير -زي ما وضحت- ووصلت للسلطة هي شخصية إسلامية أصولية، الشخصية ديه كان ليها تعريفات لأسلوب حياة وأخلاقيات يجب أن تسود المصريين وتعريفات لشكل الدولة ولهويتها القومية!
وهنا اتنقلنا من التفسير الطبقي للمجتمع اللي بدأت بيه الإحتجاجات للتفسير الجرامشي للمجتمع واللي هتنتهي بيه الثورة. أنطونيو جرامشي بيشوف إن الصراع الثقافي في المجتمع هو صاحب الدور الأساسي في حركة المجتمعات،وبكدة يكون تغيير الثقافة السايدة هو الطريق الرئيسي لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.
التفسير الجرامشي هو اللي إتجاهلته القوى الثورية المدنية وأدى لإتجاه إسلامي للثورة بعد الإحتجاجات وفي النهاية لفشل الثورة؛ عدم توافق الشخصية الثقافية اللي سادت مع الشخصية المصرية هو الدافع اللي خلى الناس تطلع في ٣٠ يونيو لتعلن ان ٢٥ يناير هي حركة احتجاجية لا يجب ان تكتمل كثورة. في رأيي قطاع كبير من الناس فعلا مبسوط بالنتايج ال٣ ل ٢٥ يناير في مرحلتها كإحتجاجات لكن في نفس الوقت طلعوا لإفشال ٢٥ يناير كثورة. عشان كدة أنا شايف ٢٥ يناير هي حركة إحتجاج شعبية ناجحة وثورة إسلامية فاشلة.
وهنا فيه نقطة مهمة يجب انها تكون واضحة:الناس لما طلعوا ضد الإخوان ده مش معناه انهم اكتشفوا ان الإخوان لا يمثلوا الدين الصحيح لكن معناه عدم قبول الشخصية المصرية للإسلام الأصولي اللي بيقدمه الإخوان. قضية ما إذا كان الإسلام الإخواني هو بالفعل الأقرب لإسلام الرسول والصحابة ديه قضية تانية خالص. الشخصية الشعبية المصرية جايز إتأثرت بالإسلام لكن مش هي مرجع صحة الدين،المرجعية الأساسية لصحة الدين هو القرآن والأحاديث والسيرة و تاريخ الصحابة وهي كلها أدبيات لم تنتجها البيئة الشعبية المصرية.
٢٥ يناير كثورة انتهت نظريا في ٣٠ يونيو ٢٠١٣وعمليا في ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ مايو ٢٠١٤ لما الناس اختارت تاني الدولة العسكرية.
٢٥ يناير انتهت وسابتلنا فاتورة إقتصادية كبيرة وأسئلة كتيرة إتطرحت بقوة وكان مطلوب لها إجابات وللأسف فشلنا في إجابتها بسبب تأجيلنا المستمر لمعارك فكرية لازم نواجهها متعلقة بتاريخنا و تأثيره الحالي ومتعلقة بكسر أثقال كتيرة ربطانا من وقت القرون الوسطى اللي عيشناها و لحد دلوقت.
معاركنا المتأجلة
بعد فترة طويلة من العيش في ظل دولة إمبريالية بيكون فيه فرض لسيادة ثقافية أجنبية على المجتمعات وعلى الثقافات المحلية/الشعبية. النخب الثقافية يا إما بتتماشى مع الثقافة الوافدة وتقبل السيادة النظرية ليها وتتبناها كثقافة معيارية وتنبذ الشعبي، وده زي حالتنا، يا إما النخبة الثقافية بتنتصر لشعوبها و تبتدي هي تؤمن بالشعبي وتغذيه وتخلق سيادة ثقافية للشعبي وتخليه هو الثقافة المعيارية للمجتمع وهنا بتتخلق الدولة الوطنية الحديثة من رحم الدولة الإمبريالية، وده مثلا زي أوروبا، فالدولة الوطنية الحديثة الأوروبية بدأت لما المثقفين بدأوا يرفعوا الثقافة المحلية في مرتبة أعلى من الثقافة اللاتينية اللي كانت سايدة من النسق الإمبريالي/الديني السابق اللي كان موجود في القرون الوسطى، وبدأ المثقفين يكتبوا ويتكلموا بلغة الرعاع/المحليين/الجهلة/القرويين لغاية ما بقت اللغات المحلية المنبوذة لغات من أرقى لغات العالم إنهاردة زي الفرنساوي، الإيطالي، الألماني و الأسباني وغيرهم. المثقفين الأوروبيين ماستسلموش للنسق الثقافي النظري اللي سايد ولا لللغة المقدسة الموجودة لكن آمنوا بتفرد وعبقرية الثقافات الحية جوا الرعاع والمنبوذين ورفعوها للمستوى اللي شايفينه انهاردة. المثقفين وصلوا لمرحلة إنهم مش بياخدوا قيمتهم من اللغة والثقافة السايدة لكن هما اللي بيدوا قيمة للثقافة المحلية.
فترة القرون الوسطى في حالتنا سابتلنا سيادة نظرية لحاجتين:
١- اللغة المعيارية، وهي اللغة العربية الفصحى وهي ليها سيادة نظرية لأن محدش بيتكلمها على المستوى الشعبي، لكن بيتم إستدعاءها لما بيكون فيه جدل حولين صحة القراية والكتابة.
٢- تعريف الصواب المعياري واللي هو عندنا الإسلام السني الأصولي. وده صواب معياري نظري، المصري ممكن يتكلم كتير عنه لكنه بيحس بخوف لو لقاه هيتطبق بجد، وفي رأيي إن اللي حصل في ٣٠ يونيو هو محاولة الإخوان والسلفيين يطبقوا الصواب المعياري النظري بشكل عملي وده اللي عمل صدمة وخلى الناس طلعت ضدهم. (صورة المقالة هي واحدة من الصور اللي انتشرت وبتعبر عن المعنى ده).
وهنا ييجي سؤال إدوارد سعيد عشان يعبر عن الموقف ده، هو بيقول "إن كلنا بنعيش في مجتمع ولينا جنسية ذات لغة أم وتقاليد ووضع تاريخي [والسؤال هو:] إلى أي حد المثقفين هم خدم لهذه الظروف ولأي حد هم أعدءها؟". الإسلاميين مثلا موقفهم واضح هم خدم للنسق الثقافي الوافد والموروث من القرون الوسطى ومدافعين عنه بشدة، طب بالنسبة بقى لمثقفينا المدنيين اللي المفروض هما الجبهة المقابلة، هل تخلصوا من السيادة النظرية للثقافة الوافدة لصالح الثقافة المحلية؟
اللي شفناه إن التيار الديني طرح مفهوم للقيم ومفهوم للدولة متماشي مع ميراث القرون الوسطى واللي هو بيعلن حرصه على بقاءه، المشكلة ظهرت في المقابل في النخبة المثقفة المدنية اللي لم تجرؤ على الدفاع عن قيمنا المصرية المستقلة ولكن حاولت -في خطأ تقني- انها تثبت صحة قيمنا المصرية ومفهوم الدولة الحداثي المقترح على أساس توافقها مع الإسلام الأصولي، عشان كدة جه طرحها هزيل وخجول ومتناقض.
وهنا لازم نسأل:
هل عندنا طبقة مثقفة جريئة تستحق انها تعيش في دولة وطنية حديثة ؟ هل عندنا فرصة لو فكرنا في ثورة تانية دلوقت إن الجبهة المدنية تتمكن من طرح نموذج ثقافي وطني مرتب يقاوم أصحاب الأجندة القرون أوسطية؟
هل يستطيع مثلا مثقفينا التخلص من سيطرة نظرية للغة (قرون أوسطية ... ولا تفي بمتطلبات الحداثة "بتعبير طه حسين عميد الأدب العربي") وتسييد اللغة الفعلية اللي بيتكلمها الناس؟
هل يرى مثقفينا إن مصر في حاجة لمرجعية دينية إسلامية لإستكمال نظامها القيمي والأخلاقي على المستوى الشعبي؟ واللا تاريخنا وخبرتنا الحضارية "المصرية" قادرة على انتاج أخلاقيات وقيم مستقلة وقادرة على دفع الدولة للأمام؟
هل يرى مثقفينا إن قيمنا بتكتسب صحتها لأنها ناتجة من المجتمع و مفيدة لمستقبلنا واللا قيمنا بتكتسب صحتها لأنها متوافقة مع قيم الإسلام الأصولي أو الصواب المعياري النظري؟
هل يرى مثقفينا أن في أي دولة حديثة محتاجة تصرف من ضرائب المواطنين على مؤسسة زي مؤسسة الأزهر؟
إجابات الأسئلة ممكن توري إذا احنا فعلا جادين في طلبنا إننا نعيش في دولة وطنية حديثة أو نفضل خدم ورهن النظام القرون أوسطي.
و في النهاية أحب أقول إن رحلة بداية ونهاية ٢٥ يناير بتبين إن حصر المشكلة المصرية في الفرق بين المتطلبات الإقتصادية للشعب في مقابل ما تستطيع الدولة توفيره، يكفي بس لبداية إحتجاجات لكن في النهاية هنتواجه بمشاكلنا الثقافية واللي بتمثل ال infra structure لإحداث أي تغيير حقيقي في المجتمع.
دايرة فرج فودة (دولة عسكرية<>دينية) رجعت إتقفلت تاني وعشان نكسر دايرة فرج فودة في رأيي ماينفعش نبتديه بكسر الدولة العسكرية لكن بكسر التابوهات المجتمعية والتمرد على النسق الثقافي الوافد و الإنتصار لثقافتنا المحلية وساعتها الدولة العسكرية هتفقد سبب وجودها.
ولسة فيه كلام .....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق