الاثنين، 28 أكتوبر 2013

منين ولفين؟ -دولة محمد علي... سلطوية/غير متسقة-

(آسف المقال طول مني من غير قصد :))
إستكمالا لسلسة منين ولفين وملاحظة جديدة وضحتها ال٣ سنين اللي فاتوا هو التناقض الشديد على المستوى الشعبي مابين فريق الدولة المدنية وفريق الدولة الدينية في تصورهم لشكل الدولة وعلاقة الدين بيها، والتردد الشديد الموجود جوه تيار الدولة المدنية وعدم وضوح رؤيته وعدم جرأته على طرح أفكاره. والتناقض على المستوى الرسمي بين اللي الدولة بتوعد بيه وبين اللي بتقدمه. بين إنهاء حكم الإخوان وإحترام إرادة حزب النور بين وسطية الأزهر الإجتماعية وتطرفه الرسمي في مواد الهوية. وهنا هحاول أناقش الموضوع ده هحاول أوصل لأسبابه.
 لو رجعنا شوية ورا حتى قبل الإخوان. مصر كانت ولاية عثمانية بيحكمها المماليك وكان الدين بيسيطر على شرعية الحاكم وعلى التشريع والقضا وعقيدة الجيش. والمنطق السائد كان "الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع".
محمد علي دخل في المنظومة ديه وإستمد شرعية حكمه من الدين فعلا (مشايخ الأزهر في وقتها) وبدأ يحاول يحقق حلمه الإمبريالي وكان من حظنا انه مصر كانت هي مركز حلمه وبدأ ينشئ دولة محمد علي. محمد علي كان هدفه السيطرة الكاملة على مرافق الدولة في الأول وإنه يستبدل سيطرة الدين على مرافق الدولة بسيطرته هو: نفى مشايخ الأزهر اللي ليهم تأثير على شؤون الحكم واللي لعبوا دور في توليته هو شخصيا كحاكم (عمر مكرم)، أنشأ الدواوين وأنشأ لوايح تحكم كل ديوان للدولة ينظم عملها لا يعتمد على الشريعة، أنشأ جيش الفلاحين وحط السلاح في إيد المصريين بعد غيبة أكتر من ٢٣٠٠ سنة (في ١٨٥٦ سقطت الجزية ودخل المسيحيين كمان الجيش وبقى جيش مصري وطني). وفقد الإسلام بالتدريج السيطرة على شؤون الحكم والتشريع والقضا وعقيدة الجيش لغاية عصرنا! ومن ساعتها والإسلام بيحاول يستعيد الأدوار ديه.

دولة محمد على كان فيها تناقض غريب، من ناحية، شرعية حكم محمد علي مبنية على الإسلام كأساس للحكم وعلى إن مصر "مسلمة"، فهو ليس حاكم ألباني لدولة مصرية هو حاكم مسلم لدولة مسلمة، ومن ناحية تانية، هو كان يعلم إنه لبناء دولة قوية يجب تنحية النموذج الإسلامي عن المشهد وتبني النموذج الغربي. التناقض ده خلى مشروع محمد علي حافظ على هوية إسلامية إسمية للدولة وفي نفس الوقت حييد المنهج الإسلامي في الحكم وخلق منهج محلي أقرب للمنهج الأوروبي. وهنا دولة محمد علي خلقت منطق جديد و متناقض وهو "الإسلام دين صح لكنه ضار للمجتمع" في مقابل المنطق السائد قبل كدة واللي كان أكثر إتساقا (مش بالضرورة أفيد).
منطق دولة محمد علي موجود بوضوح لليوم في مصر في جهتين:
على المستوى الرسمي: في جهاز الدولة وهو الوارث الشرعي لدولة محمد علي وجهازها الإداري والتنفيذي وفي الصف الأول من قيادات الأزهر المعينين. عشان توصل لمنصب قيادي في جهاز الدولة لازم تفهم منطق دولة محمد علي وتحافظ عليه (سواء كنت مسيحي أو مسلم). لازم لا تنتقد الإسلام وفي نفس الوقت لا تطالب بتطبيق أحكامه. الدولة عندنا لازم يكون ليها مؤسسة دينية بتعبر عنها وبتمثل جزء كبير من شرعيتها الحقيقية وفي حالتنا هو الأزهر. والأزهر يعلم انه تحت سيطرة الدولة، لكن فيه حد أدنى الأزهر بيحافظ عليه من تمثيل الدين في الدولة وهما قضيتين رئيسيتين، المادة التانية ومحاربة العلمانية وفي الحاجتين دول الدولة بتستجيب.
على المستوى الشعبي: الجزء المنفتح على القيم الغربية من المجتمع سواء بسبب خبرة شخصية أو قراية أو تأثرا بالطبقة الأعلى اللي بتتبنى قيم غربية. هما مثلا في موضوع قطع يد السارق مش عايزين يشوفوا ده بيتطبق وإجابتهم لما بيتواجهوا بالشريعة بتتراوح ما بين "لما نبقى دولة غنية نبقى نطبقه" أو "لما يحكمنا حاكم صالح زي عمر بن الخطاب" أو حتى بشكل جرئ "دي همجية وضد حقوق الإنسان" والتيار الليبرالي المصري بيمثل الحد الأعلى فيه. حوار عمرو أديب بيبين شوية المنطق ده وإيه مشكلة عدم إتساقه: 
 http://youtu.be/b33_DoKqreA
منطق الدولة والليبراليين الغير متسق بيبينوا سؤال عمرو أديب "إيه العيب إن مصر تحكم بالشريعة الإسلامية؟.. هو مش الدين بتاعنا بيقولنا كده؟" وأمثلة كتيرة في حوارات الليبراليين مع التيار الإسلامي في ال ٣ سنين اللي فاتوا.
عدم إتساق منطق الدولة ده معلوم و يتم الحديث عنه "خلف الأبواب المغلقة" سواء من التيار الليبرالي أو من بعض النافذين في الدولة.

الدولة المصرية الحديثة كان دايما دورها هو فرملة الدين عن العودة لدوره في الدولة وفي المقابل الإسلام بيحاول يستعيد دوره  فيها. 
أي فكرة ليها طابع إجتماعي غير قادرة على العمل بذاتها. الفكرة تكتسب حياة وقدرة على الفعل من خلال البشر الذين يؤمنون بها و الإسلام كأي فكرة يعمل من خلال بشر يؤمنون به. الأفكار اللي من النوع ده بيكون ليها نوعين من المؤمنين، كتلة فعالة وديه كتلة بتاخد الفكرة بمنتهى الجدية وبتشوف نفسها أمينة عليها وهي مسؤلة عن إستمراريتها ودول تقريبا ١ أو ٢٪ وبيكونوا هما المخ والباقي بيكونوا كتلة تابعة وهي اللي بتتأثر بتنظير الكتلة الأولى وبتشوف فيهم أبطال ومثل أعلى وبيكونوا هما العضلات. لما فريق من الكتلة التابعة بيجد إن المجموعة الفعالة مش بتلبي طموحه بيبتدي هو يتنقل وياخد دورها وهنا بتظهر كتلة فعالة جديدة وتبتدي تستقطب كتلة تابعة، وهكذا... وده بيحصل حتى على مستوى الأحزاب السياسية.

الإسلام هنا بيحاول يستعيد دوره من خلال المؤمنين بيه:أولا من خلال الأزهر ولكن بصورة بطيئة بسبب سيطرة الدولة عليه، وثانيا من خلال الإخوان اللي ظهروا كجماعة دينية لتعويض بطء الأزهر في إعادة دور الدين في الدولة وكانوا أكثر جرأة من الأزهر في خطابهم -هما شافوا إن الأزهر مش بيلبي طموحهم فكونوا هما كتلة فعالة جديدة وبدأت تستقطب تابعين- الى أن تم قمعهم ثم إحتواءهم من الدولة، وثالثا من خلال السلفيين اللي ظهروا هما كمان لتعويض بطء الإخوان وكانوا أكثر جرأة في مطالبتهم بعودة دور الدين وكانوا أكثر عنفا. الإختلاف بين التلات جهات هو إختلاف كم مش إختلاف نوع. عامل زي التعبان الأسطوري الهيدرا كل ماتقطعله راس يطلعلك غيرها. والتلات جهات دول هما أصحاب المنطق القديم ("الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع") وهو الأكثر إتساقا من منطق الدولة.

بيحصل إن الناس غالبا بتكون غير مهتمة بالبحث عن منطق متسق (عايشين في الموجود وخلاص) لغاية ما تبتدي تتواجه بأفكار أكثر إتساقا، المواجهة دي بتحفزك عشان تختار موقف واضح أكتر. لما ده بيحصل، مجموعة بترفض المواجهة أصلا وده بيكون بتخوين أو تسفيه الأفراد اللي بيمثلوا الفكرة المقابلة (وده بيحصل فعلا مع الإخوان والسلفيين والأزهر لما بيتشدد) وبكدة بيهربوا من مناقشة الفكرة نفسها ودول الأكترية اللي بتحاول تحافظ على المنظومة الفكرية بتاعتها من غير تغيير، ومجموعة تانية فعلا بتسعى جديا في البحث عن منطق متسق، جزء منهم بيتبنى منطق الإسلاميين والجزء التاني -ودول الأكثر جرأة وقدرة على التمرد- بيخلقوا منطق جديد متسق بيعارضوا بيه الفكرة المعروضة وبيتمردوا بيه على الفكرة الغير متسقة  والمنطق الجديد اللي إتخلق عندنا هو "الإسلام ضار إذا هو خطأ" وده بيتمثل شعبيا في الملحدين اللي بدأوا يظهروا بوضوح رافضين لمنطق الدولة الغير متسق ورافضين منطق الإسلاميين الرافض للحداثة ودول أقلية لكنها الأقدر على نقد المنظومة الفكرية القديمة وقادرة على تجديدها.

في الآخر، عشان أي فكرة تقدر تصمد قدام الأفكار التانية لازم الأول تكون قادرة على الصمود قدام نفسها. لازم الأول تكون فكرة متسقة, وده مش موجود في الفكرة اللي مبنية عليها دولة محمد علي واللي بتتبناها المجموعة المدنية والتيار الليبرالي. عدم الإتساق ده بتعوضه الدولة بممارسات سلطوية وسيطرة على الخطاب الديني (إعتقال الإسلاميين والملحدين في نفس الوقت، أصحاب الفكرة الأكثر إتساقا)، وعدم الإتساق ده هو اللي بينعكس على التيار الليبرالي ويظهر كلامه دايما متردد ودفاعي وغير مترابط لما بيتكلم عن تصوره لشكل الدولة وعلاقة الدين بيها. لما سيطرة الدولة بتضعف شوية أصحاب الفكرة الأكثر إتساقا (حتى ولو ضارة) بيكونوا أقوى. لمقاومة سلطوية الدولة يجب أن نبحث لها عن فكرة تأسيسية تكون "مفيدة" و "متسقة"! هل هي واحدة من التلاتة ("الإسلام صح وهو الأفضل للمجتمع"، "الإسلام دين صح لكنه ضار للمجتمع"، "الإسلام ضار إذا هو خطأ") وللا في فكرة جديدة؟ ده موضوع تاني! لكن طول ما الدولة بتحاول تحافظ على الشرعية الدينية ليها وفي نفس الوقت بتحاول تقدم نوع من الحداثة وطول ما التيار الليبرالي والمجموعة المدنية بتتبنى نفس المنطق هتفضل قرارتنا كلها دفاعية, هيكون أقصى طموحنا إننا نثبت مكاننا ومانرجعش لورا ,مفيش قرار بناخده عشان نتحرك بيه لقدام وهتفضل سلطوية الدولة هي ملجأ الليبراليين! سلطوية الدولة اللي كل شوية بنلجأ ليها بقت زي ال hand break فايدتها إنها توقفنا مكاننا.
المشكلة مش سياسية ولا الحل في تغيير الرئيس! إحنا ثرنا على مبارك وهو العرض ولكن لم نجرؤ على الثورة على المرض نفسه.
في مقولة بتقول "من يقوم بنصف ثورة يحفر قبره بيده"، الثورة على مبارك هي نصف ثورة على المشكلة و قد كدنا فعلا أن نحفر قبر مصر بأيدينا. الجيش رجع؟وإنت زعلان؟لو جرئ قوي وبتاع ثورة يبقى يا إما تثور على المشكلة كلها يا إما تقعد في بيتكم!
ولسة في كلام...