الأربعاء، 27 أغسطس 2014

ميراث القرون الوسطى -اللغة المعيارية ولغتنا المصرية-



المرة دي أنا هكتب عن موضوع مرتبط شوية بالمقال اللي فات، المرة اللي فاتت إتكلمت عن ميراث القرون الوسطى وعن إننا ورثنا تعريفين نظريين وهما اللغة المعيارية والصواب المعياري. هبتدي دلوأتي سلسلة جديدة بتتكلم عن ميراث القرون الوسطى بتاعتنا وفي المقال ده هتكلم بتفصيل أكتر عن أول ميراث وهو اللغة المعيارية (العربية الفصحى) في مقابل اللغة الواقعية بتاعتنا (اللغة المصري واللي بيسميها البعض اللهجة المصرية أو العامية المصرية).
للأسف في كتير مصريين مايعرفش أصلا إنهم بيتكلموا لغة مصري تختلف في بنيتها وقواعدها عن اللغة العربية، وبتعبير طه حسين عميد الأدب العربي نفسه "اللغة العربية في مصر لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس في البيوت... ولا في الشوارع... ولا في الأندية... ولا في المدارس ... ولا في الأزهر نفسه... وإنما يتكلم الناس في هذه البيئات كلها لغة تقرب منها قليلا أو كثيرا ولكنها ليست هي على أي حال"

اللغة الأم واللغة الأجنبية
لو بصينا لحالة الطفل (أو الأمي) اللي بيروح المدرسة عشان يتعلم اللغة العربية. قبل مايروح المدرسة كان لما حد بيوصف قدامه ترابيزة بيقول "الترابيزة دي زُغيرة"وبالتالي هو لما بيتكلم بيقول "الترابيزة دي زُغيرة" وهنا هو إتكون عنده مهارتين من مهارات اللغة وهما السمع والنطق، لو رحت المدرسة عشان تتعلم لغتك الأم المفروض إنك هتتعلم مهارات القراية والكتابة لللغة اللي إنت بتمتلكلها مهارات السمع والنطق. اللي بيحصل عندنا بقى إن الطفل (أو الأمي) لما بيروح المدرسة وبيتعلم اللغة العربية المدرس بيعلمه إن اللي كان بيسمعه وكان بيقوله غلط والصح هو "هذه المنضدة صغيرة" فهنا فيه إختلاف في مكان إسم الإشارة بالنسبة للمشار ليه وده إختلاف في بناء الجملة (إختلاف في النحو Syntax)، وفيه إختلاف في إسم الإشارة نفسه (إختلاف في الصرف Morphology) وفي إختلاف في نطق الصاد(إختلاف في الصوتيات Phonology) وفي إختلاف كمان في كلمة ترابيزة نفسها (إختلاف في المفردات Lexicon). وبالتالي الطفل أو الأمي مش يروح المدرسة عشان يتعلم مهارات القراية والكتابة للغة هو بيتقن فيها مهارات السمع والنطق، هو لازم يتعلم الأربع مهارات بتوع اللغة العربية من الأول.
فإذا بنتكلم عن لغة أم للمصريين، لغة أم بمعنى اللغة اللي بيكتسبها المصري في أول ٦ سنين من عمره قبل مايدخل المدرسة، فهي اللغة المصري مش اللغة العربية. الفرق بين اللغة الأم واللغة الأجنبية هو في مهارات السمع والكلام اللي بتكون إتكونت عند الإنسان قبل مايدخل المدرسة. الطفل (أو الأمي) المصري جايز بيستخدم مفردات كتير من اللغة العربية لكن في بنية نحوية وصرفية وصوتية تانية، عشان كدة طه حسين معاه حق في إن اللغة العربية في مصر هي لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية.

الفرق بين اللغتين المعيارية والواقعية في البناء اللغوي
الفروق بين اللغتين كتار ويمكن يكون شوية منهم وضحوا في المقطع اللي فات، أنا هنا هركز على الفرق البنائي بين اللغتين أو النوع اللغوي اللي بتنتمي ليه كل لغة. اللغة المعيارية بتاعتنا اللي هي العربية الفصحى بتنتمي لفئة اللغات التركيبية (Synthetic languages) ولغتنا المصري بتنتمي لفئة اللغات التحليلية (Analytic languages) وده فرق أساسي بين اللغتين.اللغات التركيبية هي اللغات اللي إعراب الكلمة هو اللي بيحدد وظيفتها في الجملة وبالتالي بييدي معنى للجملة، لكن اللغات التحليلية هي اللغات اللي ترتيب الكلمات في الجملة هو اللي بيحدد وظيفة كل كلمة في الجملة وبالتالي بيدي معنى سليم للجملة.
مثلا في الفصحى (التركيبية) ممكن نقول:
محمدٌ ضَربَ علياً 
أو
علياً ضَربَ محمدٌ
الإتنين ليهم نفس المعنى وهو إن الفاعل محمد والمفعول به علي واللي حدد كدة إعراب الكلمات ( ُ) للفاعل و ( َ) للمفعول به، يمكن يكون صعب علينا كمصريين إستيعاب إن المثل التاني ليه نفس معنى المثل الأولاني وده راجع لإن ذهننا مش متدرب يركب الجملة بالطريقة دي زي ماهيبان بعدين، لكن حسب اللغة العربية الفصحى المثلين ليهم نفس المعنى.
 الآية القرآنية الجاية هي كمان مثل مشهور:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
لو سألنا مين الفاعل ومين المفعول أو مين اللي بيخشى مين؟ مش هنقدر نحدد، لازم نكتب الجملة بالإعراب (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) عشان نفهم إن العلماء ( ُ) هما اللي بيخشوا الله ( َ).

في اللغة المصري (التحليلية) بقى إحنا بنلغي الإعراب وبنسكن أواخر الأسماء كلها واللي بيحدد وظيفة الكلمة هو ترتيبها في الجملة، فمثلا بنقول:
محمدْ ضرب عليْ
لو قلنا: 
عليْ ضرب محمدْ 
المعنى بيختلف.
هنا على عكس العربي اللي حدد إذا كان محمد أو علي هو الفاعل، مكان كل كلمة منهم في الجملة مش الإعراب.

طب مصدر الإختلاف جه منين؟ وده نعتبره غلطة وقع فيها المصريين وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى (المعيارية)؟

هحاول أجاوب السؤال التاني في الأول.
لو شفنا مثل من اللغات الأوروبية الحديثة زي الإنجليزي هنلاقيه بيستخدم نفس الأسلوب المصري، بيعتمد على ترتيب الكلمات (Analytic) مش عالإعراب (Synthetic) في تحديد وظيفة الكلمة، فمثلا عشان نعبر عن نفس معنى المثال اللي فوق بنقول:
Mohammed hit Ali
مش بنقول:
Mohammedo hit Alia
لو غيرنا ترتيب الكلمات كدة:
Ali hit Mohammed
المعنى بيتغير. يعني مش بنغير نهايات الكلمات عشان نحدد وظيفة الكلمة الترتيب هو اللي بيحدد المعنى، طب هسأل برضه، هل ديه غلطة وقع فيها الإنجليز وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى؟ آه إنت قريت السؤال صح "عن اللغة العربية الفصحى؟"
طبعا السؤال هزلي، مش هينفع أستخدم اللغة العربية الفصحى كمعيار أقيس بيه خطأ وصواب اللغة الإنجليزي. اللغة الإنجليزي بتتقاس على إزاي الإنجليز متفقين يتكلموا لغتهم وقادرين يتفاهموا مع بعضهم، مش على العربية الفصحى. ونفس الموضوع بينطبق على اللغة المصري، المصريين فيه بينهم إتفاق إنهم يتكلموا لغتهم كدة وده بيخليهم قادرين يتفاهموا مع بعض من غير مشاكل، فده شئ هزلي إني أحكم إن ال٩٠ مليون مصري بيتكلموا غلط بس لأني بقارن اللي بيتكلموه باللغة العربية الفصحى. وهي ديه المفارقة اللي ورثناها من القرون الوسطى بتاعتنا وهو إن العربية الفصحى ديه هي المعيار اللي بنقيس بيه صحة أو خطأ اللغة اللي بنتكلمها، خصوصا وإن المصريين عمرهم ماإتكلموا اللغة الفصحى وبعدها بدأوا يتكلموها غلط، السيناريو مامشيش كدة، السيناريو عندنا هو إننا بنتكلم لغة مصري من فجر التاريخ بقواعد نحو وصرف وصوتيات مستقلة عن العربي الفصحى، ولما العرب جم إستخدمنا مفردات كتيرة من العربي جوه البنية النحوية والصرفية والصوتية للغتنا المصري. وده يجاوبلنا على السؤال الأول عن مصدر التغيير بين اللغتين العربي والمصري. مصدر التغيير مش إن المصريين بيتكلموا عربي غلط لكن إن المصريين بيتكلموا مصري بمفردات كتير عربي، والمصري اللي بنتكلمه متأسس على بنية تحتية (substrata) اللي هي اللغة المصري القديمة واللي جدودنا إتكلموها من ساعة وجودهم في الوادي. واللغة ديه في نسختها القبطي اللي كانت موجودة قبل العرب مايجوا كانت لغة تحليلية (+) مش لغة التركيبية. وبناء على كدة بدأ الإتجاه لتغيير وصف اللغة اللي بنتكلمها من كونها عامية اللغة العربية ل اللغة المصرية الحديثة كإمتداد لللغة المصرية القديمة.

اللغة الأرقى
ممكن أسأل هي مين فيهم الأرقى وطبعا الإجابات هتختلف حسب المزاج والعاطفة، فمثلا ممكن نقول إن المعيارية أرقى لأنها لغة القرآن، كتاب الله، أو ممكن نقول إنها أرقى لأنها لغة النخبة في الكتابة لكن العامية دي لغة الشارع والحواري والفلاحين، ونحكم إن العامية ديه هي النسخة البايظة بتاعة الفصحى. وده جدل مثلا حصل لللغة الفرنساوي، لغاية القرن ال١٦ الفرنساويين كانوا بيعيشوا نفس مشكلتنا وهي وجود لغة مقدسة سايدة وهي اللاتيني وده كان نتيجة سيطرة قديمة للرومان على فرنسا وده اللي خلاهم يفرضوا المعيار اللغوي اللاتيني ويسوقوه على إنه الأرقى،اللاتيني كان لغة الثقافة والنخبة والفرنساوي كان بيتوصف إنه لغة الجهلة والعوام وإنه النسخة البايظة من اللاتيني. الفرنساوي إنهاردة لغة الثقافة والعلم في فرنسا وفي دول كتيرة برة فرنسا. طب إيه اللي نقله النقلة دي؟ اللي نقله إن المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن الميزة المزيفة وعن الغرور الأجوف الموروث من عصور إحتلال قديمة بإنهم بيتكلموا لاتيني وإنهم من طبقة مثقفة بعيدة عن العوام، وإتبنوا لغة العوام في أدبياتهم، وإتحول العوام من عوام اللاتيني ل الشعب الفرنسي. ودي كانت شرارة بدء الدولة الوطنية الحديثة والإعتراف بعبقرية الشعوب وقدرتها على حكم نفسها. المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن جدلية اللغة الأرقى وإتبنوا اللغة الشعبية أيا كان الحكم العاطفي عليها وبأعمالهم وأدبياتهم إدوا قيمة لللغة الشعبية.

لما بييجي إحتلال دايم بيبتدي المحتل يحدد معايير الرقي والتميز في المجتمع على أساس ثقافته مش على أساس ثقافة الشعب اللي هو إحتله وبتبتدي تتكون نخبة على أساس المعايير دي ومن المعايير دي معيار لللغة الراقية مثلا، وتبتدي المعايير دي تتورث، لما بيبتدي يتكون جيل جديد عادة بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبلهم، وده بيخلي الجيل الجديد يتبنى نفس معايير اللي قبلهم عشان يتم الإعتراف بيهم كنخبة، وعشان كدة معايير الرقي أو التميز بتفضل عايشة من جيل لجيل حتى بعد إنهيار السبب الأول لوجودها (زي استمرار اللاتيني كلغة نخبة حتى بعد إنهيار الدولة الرومانية وإستمرار الفصحى كلغة نخبة وكمعيار للصواب اللغوي حتى بعد إنتهاء الإحتلال العربي). الموضوع بيستمر لغاية مايجي جيل مش بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبله لكن بياخد شرعيته كنخبة من الشعب، ودي زي ماوضحت بتكون نقطة البداية لوجود حكم سياسي برضه مش واخد شرعيته من نخبة مفصولة عن العوام لكن واخد شرعيته من الشعب ويتحول الشعب فعلا لمصدر السلطات.

اللي بيخلينا نحكم على لغتنا اللي بنتكلمها إنها لغة أقل في الرقي من اللغة الفصحى مش أكتر من وهم عمالين نتوارثه من جيل لجيل بسبب ميراث إحتلال قديم مالوش وجود دلوأتي، النخبة المصرية لازم تبتدي تتجرأ وتتمرد على الموروث وتبتدي تحط معايير متوافقة أكتر مع واقعنا ومع لغتنا اللي بنفكر وبنحلم بيها إذا عايزين نتكلم عن "شعب مصري" مش عن "عوام العرب".

أرجو في المقال ده إني أكون وضحت شوية فروق بين المصري والعربي وأكون وضحت شوية مفهوم الرُقي الوهمي اللي إحنا مستسلمينله. هخصص شوية مقالات عن فروق تانية بين المصري والعربي وعن ميزة كل واحدة عن التانية (مش عن رُقي واحدة عن التانية)

ولسة فيه كلام ...
------
+ Wilson, Robert 1978, The Future of Coptic Studies; P 109
*الفضل في المقال ده بيرجع لمجهودات قام بيها بيومي قنديل وكتير من الأمثلة والتوضيحات في مجال اللغويات بترجع ليه وممكن تلاقوها بشكل أوضح في كتابه "حاضر الثقافة في مصر" واللي بشجع كل واحد إنه يقراه.
* لمراجعة معلومات أكتر وبسرعة عن قواعد اللغة المصري الحديثة ممكن عن طريق ويكيبيديا
------
إستدراك و توضيح للأمثلة اللي إستعملتها
في المقال أنا إستعملت أمثلة عشان أوضح الفرق بين اللغتين المصري و العربي و هو إعتماد لغة على ترتيب الكلام و التانية عالإعراب؛ و التعليقات اللي جات من اللي متعمقين شوية في اللغة العربي كان فيها إعتراض على بنية الجمل بالقياس على قواعد اللغة العربي.
الأمثلة كانت:
محمدٌ ضرب علياً
و
علياً ضرب محمدٌ
والتعليقات بتقول إن في اللغة العربي الحالة العامة هو إن الجملة بتبدأ بالفعل وبعدين الفاعل وبعدين المفعول.
يعني العربي بيميل إنه يقول: 
ضرب محمدٌ علياً مش محمدٌ ضرب علياً
أو ضرب علياً محمدٌ مش علياً ضرب محمدٌ
(ملحوظة: في الأمثلة اللي فاتت كلها "محمد" هو الفاعل وهو اللي بيضرب "علي" المفعول به)
و دي حقيقة فعلا، البداية بتكون بالفعل مش بالفاعل والا المفعول. إلا إنه في العربي بيجوز تبدأ الجملة بالمفعول و تفضل الجملة فعلية لو مضطر، و في حالات نادرة بيجوز تبدأ بالفاعل بس الجملة بتتحول لجملة إسمية  لكن بتفضل تعبر عن نفس المعنى إن محمد هو اللي ضرب علي. ليه بقى أنا إخترت الأمثلة بالشكل ده بالرغم إن بداية الجملة بالفاعل أو المفعول حالات نادرة/إستثنائية في العربي؟ في الحقيقة أنا إخترت الأمثلة بالصيغة دي لأني مش مهتم بشرح قواعد اللغة العربي منفصلة زي ماحنا متعودين نقرا عنها، لكن هدفي هو التوضيح لذهن القاري الفرق بين الجملة المصري و الجملة العربي من حيث الإعتماد على ترتيب الكلمات في واحدة و الإعتماد عالإعراب في التانية و الأساس عندي هو الجملة المصري، فإخترت الأمثلة الأقرب لذهنية المصري و إخترت الأمثلة العربي بتتوافق مع المصري و بتفرق بس في وجوب الإعراب. خصوصا و زي ماقلت إنه بيجوز في العربي تغيير ترتيب الكلمات مع ثبات المعني لكن مايجوزش في المصري، و ده لأن العربي عنده الإعراب اللي بيوضح وظيفة الكلمة لكن المصري مفهوش إعراب فاللغة مضطرة تثبت ترتيب الكلمات لأنها الوسيلة الوحيدة عشان تحدد وظيفة الكلمة إذا كانت فاعل أو مفعول.
في المصري مثلا، عشان نعبر عن إن محمد هو اللي ضرب علي، ماينفعش غير الصيغة دي:
 محمد ضرب علي
مينفعش نجيب المفعول في الأول وإلا المعني هيتغير ويكون علي هو اللي ضرب محمد و مينفعش نجيب الفعل في الأول وإلا هتتحول الجملة لصيغة استفهام.
و ده فرق تاني في بنية الجملتين المصري والعربي. المصري بيبتدي الجملة الفعلية بالفاعل مع ثبات الصيغة [فاعل-فعل-مفعول (Subject-Verb-Object (SVO)] زي البنية الإنجليزي (وكتير من اللغات الغربية) لكن الجملة الفعلية في العربي بتميل في الغالب للبداية بالفعل و للصيغة [فعل-فاعل-مفعول Verb-Subject-Object (VSO)]  مع وجود ليونة في بُنا الجملة وجواز البداية بالمفعول أو تحويل الجملة لإسمية و البداية الفاعل.


الخميس، 29 مايو 2014

منين ولفين؟ -٢٥ يناير بين البداية والنهاية-



مقالة جديدة في سلسلة "منين ولفين" واللي لسة بحاول أكتب فيها عن النقط اللي بقت واضحة قدامي بعد التلات سنين اللي فاتوا، المرة دي أنا هحاول أرصد شوية حدث ٢٥ يناير في لحظتين بس منه وهما -زي ما العنوان بيوضح- بدايته ونهايته، وفي الآخر هحاول أكتب عن شوية إستنتاجات وضحتها أسباب بداية ونهاية ٢٥ يناير ممكن تكون دروس تدعم نوع من التغيير في المستقبل. 
أنا سميته "حدث" لأن توصيفه كثورة أو كإحتجاجات هو واحدة من النقط اللي هتكلم عنها في المقال. كلامي في العنوان عن "النهاية" هو نقطة إختلاف عند كتير من الناس لأن ٢٥ يناير هو حدث ليه بداية، فيه شوية شايفين إنه مازال مستمر وشوية شايفينه انتهى وديه نقطة تانية هتكلم فيها في المقال ده برضه.

البداية (ال Ignition) 
٢٥ يناير بدأت كإحتجاجات ضد النظام وزي أي إحتجاجات ممكن تكون شرارة لثورة  (Ignition spark)، التفسير الطبقي للمجتمع ممكن يفسرلنا أسباب الإحتجاجات لكن لإستكمال التفاعل والحديث عن ٢٥ يناير كثورة وتقييم نجاحها أو فشلها فيه الجانب الاجتماعي والثقافي اللي هيسيطر كنتيجة للإحتجاجات دي. 

٢٥ يناير كحركة إحتجاجية نجحت بالفعل في ٣ نقط أساسية وهما:
١-عزل مبارك.
٢-منع التوريث.
٣-إيصال رسالة للدولة بإن اللي بتعمله الشرطة مش مقبول.
٢٥ يناير كمان اتنقلت من مرحلة الإحتجاجات لمرحلة الثورة لما أفرزت على أرض الواقع نموذج ثقافي كان في طريقه انه يسود المجتمع بالفعل. النموذج ده جايز مايكونش هو الهدف للتيارات اليسارية والليبرالية اللي بدأت الإحتجاجات، لكن في النهاية النموذج الثقافي اللي أفرزته ٢٥ يناير كان نموذج أصولي إسلامي. هل ده كان بقصد من الثوار (زي ما بيسموا نفسهم) أو بسبب سوء تنظيم منهم؟ أنا معرفش، اللي أعرفه ان رئيس جمهورية مصر الثورة كان اسمه محمد مرسي عيسى العياط.
مثلا في إيران اللي بدأ الإحتجاجات ضد الشاه كانت تيارات مشابهة للي بدأت الإحتجاجات المصرية لكن النموذج الثقافي اللي ساد هو النموذج الإسلامي عشان كدة الثورة الإيرانية للآن معروفة كثورة إسلامية.
وعشان كدة لو هنوصف ٢٥ يناير من وجهة نظر النموذج الثقافي اللي ساد بعدها  فهتكون ثورة إسلامية، برغم التوجه المدني للإحتجاجات الأولى.

نهاية ٢٥ يناير
الشخصية الثقافية اللي نتجت من ٢٥ يناير -زي ما وضحت- ووصلت للسلطة هي شخصية إسلامية أصولية، الشخصية ديه كان ليها تعريفات لأسلوب حياة وأخلاقيات يجب أن تسود المصريين وتعريفات لشكل الدولة ولهويتها القومية!
وهنا اتنقلنا من التفسير الطبقي للمجتمع اللي بدأت بيه الإحتجاجات للتفسير الجرامشي للمجتمع واللي هتنتهي بيه الثورة. أنطونيو جرامشي بيشوف إن الصراع الثقافي في المجتمع هو صاحب الدور الأساسي في حركة المجتمعات،وبكدة يكون تغيير الثقافة السايدة هو الطريق الرئيسي لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.
التفسير الجرامشي هو اللي إتجاهلته القوى الثورية المدنية وأدى لإتجاه إسلامي للثورة بعد الإحتجاجات وفي النهاية لفشل الثورة؛ عدم توافق الشخصية الثقافية اللي سادت مع الشخصية المصرية هو الدافع اللي خلى الناس تطلع في ٣٠ يونيو لتعلن ان ٢٥ يناير هي حركة احتجاجية لا يجب ان تكتمل كثورة. في رأيي قطاع كبير من الناس فعلا مبسوط بالنتايج ال٣ ل ٢٥ يناير في مرحلتها كإحتجاجات لكن في نفس الوقت طلعوا لإفشال ٢٥ يناير كثورة. عشان كدة أنا شايف ٢٥ يناير هي حركة إحتجاج شعبية ناجحة وثورة إسلامية فاشلة.

وهنا فيه نقطة مهمة يجب انها تكون واضحة:الناس لما طلعوا ضد الإخوان ده مش معناه انهم اكتشفوا ان الإخوان لا يمثلوا الدين الصحيح لكن معناه عدم قبول الشخصية المصرية للإسلام الأصولي اللي بيقدمه الإخوان. قضية ما إذا كان الإسلام الإخواني هو بالفعل الأقرب لإسلام الرسول والصحابة ديه قضية تانية خالص. الشخصية الشعبية المصرية جايز إتأثرت بالإسلام لكن مش هي مرجع صحة الدين،المرجعية الأساسية لصحة الدين هو القرآن والأحاديث والسيرة و تاريخ الصحابة وهي كلها أدبيات لم تنتجها البيئة الشعبية المصرية.

٢٥ يناير كثورة انتهت نظريا في ٣٠ يونيو ٢٠١٣وعمليا في ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ مايو ٢٠١٤ لما الناس اختارت تاني الدولة العسكرية.
٢٥ يناير انتهت وسابتلنا فاتورة إقتصادية كبيرة وأسئلة كتيرة إتطرحت بقوة وكان مطلوب لها إجابات وللأسف فشلنا في إجابتها بسبب تأجيلنا المستمر لمعارك فكرية لازم نواجهها متعلقة بتاريخنا و تأثيره الحالي ومتعلقة بكسر أثقال كتيرة ربطانا من وقت القرون الوسطى اللي عيشناها و لحد دلوقت.


معاركنا المتأجلة
بعد فترة طويلة من العيش في ظل دولة إمبريالية بيكون فيه فرض لسيادة ثقافية أجنبية على المجتمعات وعلى الثقافات المحلية/الشعبية. النخب الثقافية يا إما بتتماشى مع الثقافة الوافدة وتقبل السيادة النظرية ليها وتتبناها كثقافة معيارية وتنبذ الشعبي، وده زي حالتنا، يا إما النخبة الثقافية بتنتصر لشعوبها و تبتدي هي تؤمن بالشعبي وتغذيه وتخلق سيادة ثقافية للشعبي وتخليه هو الثقافة المعيارية للمجتمع وهنا بتتخلق الدولة الوطنية الحديثة من رحم الدولة الإمبريالية، وده مثلا زي أوروبا، فالدولة الوطنية الحديثة الأوروبية بدأت لما المثقفين بدأوا يرفعوا الثقافة المحلية في مرتبة أعلى من الثقافة اللاتينية اللي كانت سايدة من النسق الإمبريالي/الديني السابق اللي كان موجود في القرون الوسطى، وبدأ المثقفين يكتبوا ويتكلموا بلغة الرعاع/المحليين/الجهلة/القرويين لغاية ما بقت اللغات المحلية المنبوذة لغات من أرقى لغات العالم إنهاردة زي الفرنساوي، الإيطالي، الألماني و الأسباني وغيرهم. المثقفين الأوروبيين ماستسلموش للنسق الثقافي النظري اللي سايد ولا لللغة المقدسة الموجودة لكن آمنوا بتفرد وعبقرية الثقافات الحية جوا الرعاع والمنبوذين ورفعوها للمستوى اللي شايفينه انهاردة. المثقفين وصلوا لمرحلة إنهم مش بياخدوا قيمتهم من اللغة والثقافة السايدة لكن هما اللي بيدوا قيمة للثقافة المحلية. 

فترة القرون الوسطى في حالتنا سابتلنا سيادة نظرية لحاجتين:
١- اللغة المعيارية، وهي اللغة العربية الفصحى وهي ليها سيادة نظرية لأن محدش بيتكلمها على المستوى الشعبي، لكن بيتم إستدعاءها لما بيكون فيه جدل حولين صحة القراية والكتابة.
٢- تعريف الصواب المعياري واللي هو عندنا الإسلام السني الأصولي. وده صواب معياري نظري، المصري ممكن يتكلم كتير عنه لكنه بيحس بخوف لو لقاه هيتطبق بجد، وفي رأيي إن اللي حصل في ٣٠ يونيو هو محاولة الإخوان والسلفيين يطبقوا الصواب المعياري النظري بشكل عملي وده اللي عمل صدمة وخلى الناس طلعت ضدهم. (صورة المقالة هي واحدة من الصور اللي انتشرت وبتعبر عن المعنى ده).

وهنا ييجي سؤال إدوارد سعيد عشان يعبر عن الموقف ده، هو بيقول "إن كلنا بنعيش في مجتمع ولينا جنسية ذات لغة أم وتقاليد ووضع تاريخي [والسؤال هو:] إلى أي حد المثقفين هم خدم لهذه الظروف ولأي حد هم أعدءها؟". الإسلاميين مثلا موقفهم واضح هم خدم للنسق الثقافي الوافد والموروث من القرون الوسطى ومدافعين عنه بشدة، طب بالنسبة بقى لمثقفينا المدنيين اللي المفروض هما الجبهة المقابلة، هل تخلصوا من السيادة النظرية للثقافة الوافدة لصالح الثقافة المحلية؟
 
اللي شفناه إن التيار الديني طرح مفهوم للقيم ومفهوم للدولة متماشي مع ميراث القرون الوسطى واللي هو بيعلن حرصه على بقاءه، المشكلة ظهرت في المقابل في النخبة المثقفة المدنية اللي لم تجرؤ على الدفاع عن قيمنا المصرية المستقلة ولكن حاولت -في خطأ تقني- انها تثبت صحة قيمنا المصرية ومفهوم الدولة الحداثي المقترح على أساس توافقها مع الإسلام الأصولي، عشان كدة جه طرحها هزيل وخجول ومتناقض.

وهنا لازم نسأل:
هل عندنا طبقة مثقفة جريئة تستحق انها تعيش في دولة وطنية حديثة ؟ هل عندنا فرصة لو فكرنا في ثورة تانية دلوقت إن الجبهة المدنية تتمكن من طرح نموذج ثقافي وطني مرتب يقاوم أصحاب الأجندة القرون أوسطية؟

 هل يستطيع مثلا مثقفينا التخلص من سيطرة نظرية للغة (قرون أوسطية ... ولا تفي بمتطلبات الحداثة "بتعبير طه حسين عميد الأدب العربي") وتسييد اللغة الفعلية اللي بيتكلمها الناس؟

هل يرى مثقفينا إن مصر في حاجة لمرجعية دينية إسلامية لإستكمال نظامها القيمي والأخلاقي على المستوى الشعبي؟ واللا تاريخنا وخبرتنا الحضارية "المصرية" قادرة على انتاج أخلاقيات وقيم مستقلة وقادرة على دفع الدولة للأمام؟

هل يرى مثقفينا إن قيمنا بتكتسب صحتها لأنها ناتجة من المجتمع و مفيدة لمستقبلنا واللا قيمنا بتكتسب صحتها لأنها متوافقة مع قيم الإسلام الأصولي أو الصواب المعياري النظري؟

هل يرى مثقفينا أن في أي دولة حديثة محتاجة تصرف من ضرائب المواطنين على مؤسسة زي مؤسسة الأزهر؟
إجابات الأسئلة ممكن توري إذا احنا فعلا جادين في طلبنا إننا نعيش في دولة وطنية حديثة أو نفضل خدم ورهن النظام القرون أوسطي.

و في النهاية أحب أقول إن رحلة بداية ونهاية ٢٥ يناير بتبين إن حصر المشكلة المصرية في الفرق بين المتطلبات الإقتصادية للشعب في مقابل ما تستطيع الدولة توفيره، يكفي بس لبداية إحتجاجات لكن في النهاية هنتواجه بمشاكلنا الثقافية واللي بتمثل ال infra structure لإحداث أي تغيير حقيقي في المجتمع.
دايرة فرج فودة (دولة عسكرية<>دينية) رجعت إتقفلت تاني وعشان نكسر دايرة فرج فودة في رأيي ماينفعش نبتديه بكسر الدولة العسكرية لكن بكسر التابوهات المجتمعية والتمرد على النسق الثقافي الوافد و الإنتصار لثقافتنا المحلية وساعتها الدولة العسكرية هتفقد سبب وجودها.
ولسة فيه كلام .....






الخميس، 20 مارس 2014

منين ولفين؟ -أمية التعليم!-


في المقال هحاول أتكلم شوية عن أشهر شماعة مصرية بتتحمل مسؤلية دمار البلد وإعاقة تقدمها وهي إن أهم مشاكل مصر إن عندنا ٤٠٪ أمية!

إمتى بدأت الأمية في مصر؟
الحقيقة ان الأمية في مصر بدأت من أكتر من ١٣٠٠ سنة تقريبا من ساعة لما اتغيرت اللغة من المصري للعربي واتبنينا اللغة والحرف العربي كلغة رسمية (٧٠٥م)، ده معناه ان في اللحظة ديه نسبة أمية القراية والكتابة في مصر بقت ١٠٠٪.

إمتى إتحولت الأمية لمشكلة؟
مصر بالنسبة للدول الإسلامية المتعاقبة (عرب، ترك، كرد، مماليك) كانت مصدر للمال والمصلحة القصيرة المدى، مفيش دولة أنشأت مدارس ولا بنية تحتية لخدمة الشعب، المهم الفلاح يدفع اللي عليه، مش مهم مستقبله أو مستقبل البلد، التعليم كان تقريبا قاصر على انتاج قضاه ومشايخ وبتوع ضرايب.الأمية اتحولت لمشكلة يجب حلها لما بقى عندنا مشروع لبناء دولة حديثة معتمدة على الموارد البشرية لأبناء الوادي، طالما فيه مشروع بيبص للمصلحة البعيدة فبتبدأ الأمية تكون مشكلة يجب علاجها وهنا بدأت الدولة تهتم بالتعليم وانشاء المدارس وده كان من حوالي ٢٠٠ سنة.

إنهاردة المتحذلقين من المتعلمين أمثالنا شايفين ان مسؤلية تخلفنا بتقع على مصر الأمية، في حين ان المسيطر على الدولة وعلى قرارها وعلى جهازها الإداري والتنفيذي والتشريعي هي مصر المتعلمة، مش مصر الأمية، طب إزاي؟
طب بلاش:لو بصيت على المشهد اللي مرينا فيه خلال ال ٣ سنين اللي فاتوا من يناير والمظاهرات و الانتخابات وصعود الإسلاميين ومظاهرات تاني ورجوع الدولة القديمة لن تجد الأميين ليهم دور في كل ده، إلا إذا تم تحريضهم للتصويت من جانب حد من مصر المتعلمة!

ثقافتين ودولتين
بسبب الظروف التاريخية بيجتمع في مصر انهاردة تاريخ دولتين رئيسيتين هما
الدولة المصرية: أو دولة الوادي وديه دولة زراعية، بناءها الحضاري إعتمد على التنمية من الداخل.
دولة الحجاز: وديه دولة رعوية تملك قيم ثقافية أدنى بكثير من دولة الوادي وإعتمدت على الغزو في بناء نفسها.
كل دولة ليها منتج ديني بيعبر عن القيم الأخلاقية للمجتمع وبيشكل أسطورة تأسيسية ليها.

منظومة التعليم والإعلام بتاعتنا بتروج لأنهي دولة فيهم؟
الحقيقة ان التعليم والإعلام من ساعة ثورة ٥٢ وهو بيروج لدولة الحجاز الصحراوية. هو روج للعروبة وزرع في ذهن الطالب علاقة قومية بتربطه بالمحيط العربي وبتخليه امتداد لتاريخ دولة الصحراء.
الفيديو ده بيعبر تماما عن شكل التعليم والإعلام المصري الحالي:
http://youtu.be/vIg7uNI0-HA
المصري الأمي لا يعلم عن الإسلام حتى اسم رسوله وبييجي التعليم والإعلام زي الشيخ ده، مصري يرتدي ملابس البدو، عشان يعلم المصري أحكام الدين ويمرر قيم البداوة من خلاله وبياخد في مقابلها قيم الوادي الزراعية الأرقى. تعليمنا وإعلامنا للأسف بيدمروا قيمنا الأصيلة اللي الأمية والبعد عن الإعلام بيحموها. إحنا بندمر "our originality"

الدولة بتخلق ما يسمى بالمسلم الوسطي اللي ببذل بعض المجهود البسيط بيتحول لمتشدد ديني واللي بيحتاج مجهود كبير جدا عشان يكون وطني مصري لأنه عشان يكون مصري لازم يتمرد على المعلومات اللي اتحطتله وهو صغير (his principle truths) واللي بتشكل جزء كبير من تأسيسه الثقافي. فكان سهل بعد سنين من زرع العروبة في ذهن المتعلم المصري إننا مع أول أزمة (١٩٦٧) نقع في الأسلمة.

الدولة هي اللي بتعمل رصيد المواطنين اللي المجموعات الدينية بتتغذى عليه، الدولة بتقلك ان خالد ابن الوليد ده مثل أعلى، الجماعة الدينية بتيجي تكملك المعلومة وتشرحلك بالتفصيل هو ايه اللي عمله خالد ابن الوليد، الدولة بتقلك ان غزوة بدر ديه شيء جيد والجماعة الدينية بتكملك المعلومة وتقلك ان الصحابة قتلوا عائلتهم فيها انحيازا للدين! فانت يا اما هتشك في منظومة التعليم كلها وترفض كلام الجماعة الدينية أو هتحافظ على ثقتك في اللي اتعلمته على مدى عمرك وتنساق ورا كلام الجماعة الدينية، ودول هما النسبة الأعلى بكتير. 

هل خطاب الدولة نجح؟
للأسف جزء كبير من مصر المتعلمة انهاردة بيفكر أكنه فعلا جزء من دولة الحجاز، مثلا:
كيف كرم الإسلام المرأة؟ الإجابة الأولى "الإسلام منع وأد البنات"، الإجابة بتبين قد ايه انتماء المصري انهاردة لدولة الحجاز، أنا كمصري مكانش عندي مشكلة وأد البنات أساسا عشان أقول ان الاسلام حلها، في المقابل كان فيه عادة مصرية سيئة وهي ختان الإناث فأنا كمصري أسأل هل ألغى الإسلام ختان الإناث؟ الإجابة لأ!هو منع وأدها (وديه مش مشكلتي كمصري) وجاب للمرأة المصرية ٣ زوجات وملكات يمين يشاركوها جوزها وخصم نص ميراثها ومنعها من تولي الولاية العامة وحطها في البيت وسمح بضربها.
مثل تاني لما يجي مصري ويقول "قال سيدنا عمر لقد أعزنا الله بالإسلام وان ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله" طب سيدنا عمر ده راجل بدوي عايش في الصحرا والله أعزه بالإسلام لأنه بالإسلام غزا الدول الغنية حضاريا المحيطة به -اللي منها مصر- وسلب ثرواتها وإغتنى. عمر أعزه الله بسلب أموال جدودك يا مصري، انما أنا كمصري الإسلام أعزني بإيه؟انا كمصري كنت تحت احتلال روماني، وبدلته بإحتلال عربي، هل أنا أعزني الله لما عدد الجواري بتوع سيدنا عمر زادوا على حسابي؟
طبيعي ان عمر يقول الجملة ديه لكن اللي مش طبيعي ان واحد مصري يقولها، الإسلام بالنسبة لسيدنا عمر كان نقطة بداية لكن بالنسبة ليا أنا المصري هو يمثل آخر درجة من درجات الإنهيار الحضاري لدولة الوادي. 

هنا المصري بتلاقيه تحول كليا وبيتخيل نفسه جزء وامتداد لدولة الحجاز ومش قادر يستوعب مين جدوده وايه اسهامهم الحضاري. 


الدولة بتحارب مين في الشوارع؟
الموقف إنهاردة هو إن  الجهاز الأمني للدولة بيحارب مجموعة صدقوا اللي اتعلموه عن طريق جهازها التعليمي والإعلامي. الدولة بتحارب مجموعة إنتماءهم بقى أكتر لدولة الحجاز بقيمها البدوية وبقوميتها التأسيسية الدينية. الدولة نفسها بتمرر خطاب عروبي/ديني جوة منظومة التعليم فيه تمجيد لقيم دولة الحجاز بما فيه من اعلاء لقيم الغزو و السلب على حساب قيم الإنتاج وبما فيه من قيم تمييز ضد المرأة وضد الآخر الديني وبتروجله على انه منظور ديني فوق.
الغالبية العظمى من اللي موجودين في الشوارع انهاردة من مصر المتعلمة اللي عندهم انتماء لدولة الحجاز وبتجمعهم قومية دينية أقوى بكتير من القومية الوطنية المصرية، في المقابل مصر الأمية أبسط من انها تتخيل علاقة قومية بينها وبين السعودي والشيشاني والقطري على أساس وحدة الدين هما مايعرفوش غير مصر.
خطاب الدولة التعليمي والإعلامي نجح لحد كبير في زرع الإنتماء لدولة الحجاز في ذهن المتعلمين لكن في المقابل الدولة ككل فشلت.

هل الأمية هي الحل؟
بالتأكيد لأ لكن مش هي المشكلة، الأمية مشكلتها انها بتأدي لضعف الكفاءة الإنتاجية للمواطن والتعليم بيزود كفاءة المواطن الإنتاجية لكن تعليمنا بيخلق مواطن ثقافته وقيمه الأساسية بدوية وإنتماءه الأساسي بيكون لدولة الحجاز مش لدولة الوادي!
زي مابيقول بيومي قنديل في كتابه "حاضر الثقافة في مصر": انه لو قمنا بمحو هذه الأمية بهذا التعليم فهو ما يهبط فيما لو بلغ نهاية الشوط إلى حد إقتلاع الثقافة المصرية القومية أي فرض الإبادة الثقافية على شعب مصر.
ال٤٠٪ مش طرف في المشكلة انهاردة، ال ٦٠٪ المتعلمين هما اللي بيشدوا عكس بعض. احنا جربنا الديموقراطية، وجالنا في السلطة أنصار الخلافة، العثمانيين الجدد، ذهنهم وعاطفتهم القومية لصالح دولة تانية عايزين يبنوها، دولة امبريالية ومصر ولاية فيها. الدولة بتاعتهم هي دولة الخلافة اللي درسوها وحبوها في المدرسة.
التردد الموجود جوة مايسمى بالوسطي مابين دولة الوادي (اللي بيكتسب صفاتها من التقاليد المجتمعية المتواترة) أو دولة الحجاز (اللي بيكتسب صفاتها من التعليم) اتحسم المرة دي لصالح دولة الوادي، حتى إشعار آخر، لكن هل لو استكملنا محو كل الأمية بالتعليم ده هيفضل الحسم لصالح دولة الوادي؟
إحنا بنحارب مين؟ كتاب القراءة وكتاب التاريخ وكتاب الدين والإعلام!

ولسة فيه كلام...

الجمعة، 17 يناير 2014

منين ولفين؟ -أثناء "عودة الروح"-



سنة ٣٣ كتب توفيق الحكيم روايته "عودة الروح" اللي بيحكي فيها وبيحلم بعودة الروح المصرية المستخبية والموجودة جوة الفلاح الغلبان. كتب عن مصر اللي دايما ساعة الشدة رصيدها الحضاري بيسعفها، عن الفلاح المصري اللي يقدر يكرر معجزة الهرم تاني لكنه ناقصه المعبود اللي يوحده من تاني ويديله الهدف ويرجعله ثقته في نفسه واللي يشيل من فوقه العربي البدوي والعثمانلي اللي عاملين نفسهم أسياد عليه! الرواية فيها "الشعب" وفيها "سنية" -مصر- البنت بارعة الجمال اللي بتشبه في جمالها إيزيس اللي لما بيقابلها كل فرد من الشعب بيشوف الجزء المشرق في نفسه و بيزدري اهماله لنفسه وحاله الكئيب وبيكون عنده قدرة يعمل أي حاجة عشان يفوز بيها.

عودة الروح المصرية
الروح ديه بدأت فعلا على أرض الواقع تعود بعد ٢٣٠٠ سنة إحتلال، بالتدريج وببطء، وده بدأ في الدولة الحديثة بظرف تاريخي وهو إحتياج محمد علي لإنشاء جيش قوي عشان يكون نواة لإمبراطوريته. وبدأ فعلا بإنشاء جيش وكان في الأول من السودانيين إللا إن التجربة فشلت جدا و بعدها قرر يجرب إنه يخلي جيشه من الفلاحين واللي يظهر ان رصيدهم الحضاري بدأ فعلا يسعفهم و أثبتوا كفاءة عالية وحققوا لمحمد علي انتصارات كبيرة. وبرغم من إن الظرف التاريخي ماكانش الهدف منه إعادة الروح المصرية ولا كان بمجهود المصريين إلا إن كفائتهم خلتهم يحتفظوا بمكانهم في الجيش، وبدأ المصريين يدخلوا أول مرحلة من مراحل عودة الروح.

تاني مرحلة كانت حوالي ١٨٥٦ وهي في عهد سعيد باشا لما سمح للمصريين كلهم انهم يدخلوا الجيش (المسيحيين والمسلمين وإلغاء الجزية) والسماح ليهم إنهم يكونوا ظباط في الجيش ويمسكوا مناصب إدارية فيه.

تالت مرحلة وكانت في ١٨٨١ واللي بدأ يظهر فيها أول معبود من ولاد البلد كانت في رأيي ثورة عرابي، واللي تجلى فيها أول شعور قومي مصري وبدأ فيها المصري يحس بظلم بسبب تعطيل ترقيته لصالح الأتراك. وبعدها سيطر المصريين على الجيش وبقى وزير الدفاع (ناظر الجهادية) مصري مش تركي!

رابع مرحلة وكانت في ١٩١٩وهي تطلع المصري للمشاركة الحقيقية في الحكم والمطالبة بتحويل مصر لملكية دستورية وتحديد سلطات الملك وفي ١٩١٩ ظهر تاني معبود للمصريين من ولاد البلد، سعد زغلول، والمرة دي بعد ما زاد التعليم وظهرت طبقة مصرية مثقفة من ولاد الفلاحين، المجتمع المدني بقى قوي  وكان المعبود المرة دي مدني مش عسكري، وتوفيق الحكيم رصد في روايته "عودة الروح" ظهور المعبود ده.

خامس مرحلة وكانت في ١٩٥٢ وهي إن الفلاح وصل لأعلى منصب في الدولة وكان بإلغاء الملكية ووصول ابن الفلاح لرياسة مصر وظهر معبود مصري جديد من ولاد الفلاحين و اللي نشأ وأثرت فيه فترة ثورة ١٩ واتأثر كتير برواية "عودة الروح".

وده ملخص مراحل عودة الروح من وجهة نظري: دخول الجيش> المشاركة في إدارة الجيش > السيطرة على قيادة الجيش > المشاركة في الحكم > السيطرة على الحكم.

إبن الفلاح في القصر
من ساعة ما ابن الفلاح مسك حكم البلد وإحنا فتحنا صفحة جديدة ظهر فيها التشوه اللي أصاب ابن الفلاح ده بعد سنين دي كلها من الإحتلالات المتتالية لبلده و ده ظهر في التخبط في الحكم اللي بنعانيه لغاية دلوأتي:
أول ابن فلاح -عبد الناصر(*)-: زي ماقلت، عبد الناصر اتأثر كتير ب"عودة الروح" وحاول يجسدها في الواقع لكن للأسف الموضوع مامشيش زي ما الحكيم تصور. من حسن حظنا ان التلميذ مات قبل الأستاذ وكان عند توفيق الحكيم، مبدع عودة الروح، فرصة في سنة ٧٤ انه يعلق على تلميذه البليد في كتابه "عودة الوعي" واللي رجع الحكيم في آخره يتمنى عودة الوعي للمصري اللي دمره ناصر بمخاطبته بس لعواطف الناس وتدميره لوعيهم اللي كان اتبنى ببطء وبصعوبة في الفترة اللي قبله. أول ابن فلاح لما مسك البلد دور لنفسه على هوية غير هويته وهوية أبوه ينسب نفسه ليها وكانت أول هوية هي "العروبة" يمكن بسبب اللغة الرسمية المكتوبة ويمكن كمان عشان يلغي أي صلة بآخر نظام كان قبله واللي كان بيعتمد بس على الدين كأساس للشرعية لأنهم لا كانوا مصريين ولا عرب، يمكن كمان طموحه انه يكون زعيم المنطقة العربية اللي كانت برضه عندها ذكريات وحشة مع الإحتلال العثماني. حضرته بدل ما يركز في بيته رايح يعمل زعيم الحارة كلها. هو حدد الملكية وإدى الفلاح الأرض ولغى الألقاب والطربوش لكنه أخد من المصري مصريته وإداله مكانها عروبة، إدى للمصري الأرض وأخد منه الوعي اللي هيخليه يفلح الأرض ديه.

جالنا بعدها تاني ابن فلاح -السادات- واللي بعد ما صلح اللي عمله اللي قبله ورجع الأرض حب يكون هو كمان زعيم فإختار هو كمان هوية يدعمها ويتكلم على أساسها وهو كمان ماخترش الهوية المصرية، هو رجع لآخر هوية قبل الزعيم اللي هو عايز يورث مكانته، الهوية الإسلامية، وطبعا غرقنا في الإرهاب ودفع هو تمن لعبته.

جه بعدها تالت ابن فلاح -مبارك- واللي جه يصلح اللي عمله اللي قبله وقعدنا نحارب في الإرهاب. مبارك بقى تحسه كان موظف أو ناظر وقفية، كان يرأس دولة تسيير أعمال فقط، ماحاولش يغير أو يعدل حاجة في التركة، هو بس بيديرها زي ماهي، أحيانا كانت بتجيب فلوس وأحيانا لأ وأحيانا بيشحت علينا، هو ساب العروبي عروبي و الإسلامي إسلامي واللي بيزيط يزييط.

وجالنا بعدها رابع ابن فلاح -مرسي-وده التشوه الطبيعي لواحد عاش طفولته في زمن ناصر وشبابه في زمن السادات ورجولته في زمن مبارك. ولا تعليق آخر عليه.

في انتظار عودة الروح 
أدينا مستنيين خامس ابن فلاح، وكالعادة هو جاي يصلح عك اللي قبله، كل شوية رصيد العك بيزيد وعلاجه بيكون أصعب، من وقت عبد الناصر وكل رئيس بييجي بيصلح حتة ويعك حتة. كل ابن فلاح بيجرب يصحي روح أجنبية جديدة، إسلامية أو عربية أو خليط. ابن الفلاح قاعد يتعلم يحكم بلده، قاعد عمال يألف في هويات يدير بيها بلده وبلد جدوده، هو صدق اللي قالوهولوا العرب والأتراك عن جدودوه وعن أبوه الفلاح إنه عبد، يا أهبل دول عايزين يكسروك، هوية أبوك ديه هي اللي وحدت الناس وجمعت سكان الوادي مع بعض حوالين بلدهم وخليتهم يبنوا الهرم قبل كدة. هوية أبوك دي هي الهوية والروح المصرية، العروبة والإسلام دول ماهماش من انتاج وادينا ولا امتداد طبيعي ليه ولا في يوم اهتم الولاة العرب ولا المسلمين بسكانه، كنا مش أكتر من نهيبة ليهم هما حولوا كلمة "فلاح" لشتيمة وانت صدقتهم.

إنك تحاول تقنع سكان الوادي إن الهوية اللي رابطاهم مع بعض هي العروبة أو الإسلام، إنت عامل زي اللي عربيته بتشتغل بالبنزين وهو مُصِر يمشيها بالسولار، مش هتمشي. إذا حاولت تغير قيم الفلاح الأمي البسيط المبنية على حضارة زراعية مسالمة منتجة لقيم بدوية عدوانية مبنية على حضارة رعوية غير منتجة وتمجد السلب، الفلاح البسيط الأمي كدة هو الخسران!

محتاجين ثورة؟ جايز محتاجين، لكن متجيش تعمل ثورة وانت كل معلوماتك عن الشعب المصري هو تاريخ دول أوروبا الشرقية، ممكن نستفيد بتجارب خارجية لكن مش Copy&Paste. لما تكون الهوية العربية والإسلامية مش نافعة مع سكان وادي النيل، فغالبا الهوية اليوغوسلافية مش هتنفع!
 

ولسة فيه كلام...




* مسقط رأس عبد الناصر هو قرية بني مر و بني مر هي قبيلة عربية مش من الفلاحين وجذورها في اليمن وفيه  بيقولوا إنه ينتمي فعلا للقبيلة اليمنية ولكن حسب بنته هو فلاح ابن فلاح ولا ينتمي للقبيلة العربية. في الصعيد أحينا تسمى أماكن أو قرى بإسم قبيلة عربية ولكن قد يكون سكانها فلاحين ومش لازم يكونوا منتميين للقبيلة. ورأيي الشخصي إن اللي يتأثر برواية عودة الروح بما فيها من وصف سلبي للبدو فهو أكيد مش بدوي.