سنة ٣٣ كتب توفيق الحكيم روايته "عودة الروح" اللي بيحكي فيها وبيحلم بعودة الروح المصرية المستخبية والموجودة جوة الفلاح الغلبان. كتب عن مصر اللي دايما ساعة الشدة رصيدها الحضاري بيسعفها، عن الفلاح المصري اللي يقدر يكرر معجزة الهرم تاني لكنه ناقصه المعبود اللي يوحده من تاني ويديله الهدف ويرجعله ثقته في نفسه واللي يشيل من فوقه العربي البدوي والعثمانلي اللي عاملين نفسهم أسياد عليه! الرواية فيها "الشعب" وفيها "سنية" -مصر- البنت بارعة الجمال اللي بتشبه في جمالها إيزيس اللي لما بيقابلها كل فرد من الشعب بيشوف الجزء المشرق في نفسه و بيزدري اهماله لنفسه وحاله الكئيب وبيكون عنده قدرة يعمل أي حاجة عشان يفوز بيها.
عودة الروح المصرية
الروح ديه بدأت فعلا على أرض الواقع تعود بعد ٢٣٠٠ سنة إحتلال، بالتدريج وببطء، وده بدأ في الدولة الحديثة بظرف تاريخي وهو إحتياج محمد علي لإنشاء جيش قوي عشان يكون نواة لإمبراطوريته. وبدأ فعلا بإنشاء جيش وكان في الأول من السودانيين إللا إن التجربة فشلت جدا و بعدها قرر يجرب إنه يخلي جيشه من الفلاحين واللي يظهر ان رصيدهم الحضاري بدأ فعلا يسعفهم و أثبتوا كفاءة عالية وحققوا لمحمد علي انتصارات كبيرة. وبرغم من إن الظرف التاريخي ماكانش الهدف منه إعادة الروح المصرية ولا كان بمجهود المصريين إلا إن كفائتهم خلتهم يحتفظوا بمكانهم في الجيش، وبدأ المصريين يدخلوا أول مرحلة من مراحل عودة الروح.
تاني مرحلة كانت حوالي ١٨٥٦ وهي في عهد سعيد باشا لما سمح للمصريين كلهم انهم يدخلوا الجيش (المسيحيين والمسلمين وإلغاء الجزية) والسماح ليهم إنهم يكونوا ظباط في الجيش ويمسكوا مناصب إدارية فيه.
تالت مرحلة وكانت في ١٨٨١ واللي بدأ يظهر فيها أول معبود من ولاد البلد كانت في رأيي ثورة عرابي، واللي تجلى فيها أول شعور قومي مصري وبدأ فيها المصري يحس بظلم بسبب تعطيل ترقيته لصالح الأتراك. وبعدها سيطر المصريين على الجيش وبقى وزير الدفاع (ناظر الجهادية) مصري مش تركي!
رابع مرحلة وكانت في ١٩١٩وهي تطلع المصري للمشاركة الحقيقية في الحكم والمطالبة بتحويل مصر لملكية دستورية وتحديد سلطات الملك وفي ١٩١٩ ظهر تاني معبود للمصريين من ولاد البلد، سعد زغلول، والمرة دي بعد ما زاد التعليم وظهرت طبقة مصرية مثقفة من ولاد الفلاحين، المجتمع المدني بقى قوي وكان المعبود المرة دي مدني مش عسكري، وتوفيق الحكيم رصد في روايته "عودة الروح" ظهور المعبود ده.
خامس مرحلة وكانت في ١٩٥٢ وهي إن الفلاح وصل لأعلى منصب في الدولة وكان بإلغاء الملكية ووصول ابن الفلاح لرياسة مصر وظهر معبود مصري جديد من ولاد الفلاحين و اللي نشأ وأثرت فيه فترة ثورة ١٩ واتأثر كتير برواية "عودة الروح".
وده ملخص مراحل عودة الروح من وجهة نظري: دخول الجيش> المشاركة في إدارة الجيش > السيطرة على قيادة الجيش > المشاركة في الحكم > السيطرة على الحكم.
إبن الفلاح في القصر
من ساعة ما ابن الفلاح مسك حكم البلد وإحنا فتحنا صفحة جديدة ظهر فيها التشوه اللي أصاب ابن الفلاح ده بعد سنين دي كلها من الإحتلالات المتتالية لبلده و ده ظهر في التخبط في الحكم اللي بنعانيه لغاية دلوأتي:
أول ابن فلاح -عبد الناصر(*)-: زي ماقلت، عبد الناصر اتأثر كتير ب"عودة الروح" وحاول يجسدها في الواقع لكن للأسف الموضوع مامشيش زي ما الحكيم تصور. من حسن حظنا ان التلميذ مات قبل الأستاذ وكان عند توفيق الحكيم، مبدع عودة الروح، فرصة في سنة ٧٤ انه يعلق على تلميذه البليد في كتابه "عودة الوعي" واللي رجع الحكيم في آخره يتمنى عودة الوعي للمصري اللي دمره ناصر بمخاطبته بس لعواطف الناس وتدميره لوعيهم اللي كان اتبنى ببطء وبصعوبة في الفترة اللي قبله. أول ابن فلاح لما مسك البلد دور لنفسه على هوية غير هويته وهوية أبوه ينسب نفسه ليها وكانت أول هوية هي "العروبة" يمكن بسبب اللغة الرسمية المكتوبة ويمكن كمان عشان يلغي أي صلة بآخر نظام كان قبله واللي كان بيعتمد بس على الدين كأساس للشرعية لأنهم لا كانوا مصريين ولا عرب، يمكن كمان طموحه انه يكون زعيم المنطقة العربية اللي كانت برضه عندها ذكريات وحشة مع الإحتلال العثماني. حضرته بدل ما يركز في بيته رايح يعمل زعيم الحارة كلها. هو حدد الملكية وإدى الفلاح الأرض ولغى الألقاب والطربوش لكنه أخد من المصري مصريته وإداله مكانها عروبة، إدى للمصري الأرض وأخد منه الوعي اللي هيخليه يفلح الأرض ديه.
جالنا بعدها تاني ابن فلاح -السادات- واللي بعد ما صلح اللي عمله اللي قبله ورجع الأرض حب يكون هو كمان زعيم فإختار هو كمان هوية يدعمها ويتكلم على أساسها وهو كمان ماخترش الهوية المصرية، هو رجع لآخر هوية قبل الزعيم اللي هو عايز يورث مكانته، الهوية الإسلامية، وطبعا غرقنا في الإرهاب ودفع هو تمن لعبته.
جه بعدها تالت ابن فلاح -مبارك- واللي جه يصلح اللي عمله اللي قبله وقعدنا نحارب في الإرهاب. مبارك بقى تحسه كان موظف أو ناظر وقفية، كان يرأس دولة تسيير أعمال فقط، ماحاولش يغير أو يعدل حاجة في التركة، هو بس بيديرها زي ماهي، أحيانا كانت بتجيب فلوس وأحيانا لأ وأحيانا بيشحت علينا، هو ساب العروبي عروبي و الإسلامي إسلامي واللي بيزيط يزييط.
وجالنا بعدها رابع ابن فلاح -مرسي-وده التشوه الطبيعي لواحد عاش طفولته في زمن ناصر وشبابه في زمن السادات ورجولته في زمن مبارك. ولا تعليق آخر عليه.
في انتظار عودة الروح
أدينا مستنيين خامس ابن فلاح، وكالعادة هو جاي يصلح عك اللي قبله، كل شوية رصيد العك بيزيد وعلاجه بيكون أصعب، من وقت عبد الناصر وكل رئيس بييجي بيصلح حتة ويعك حتة. كل ابن فلاح بيجرب يصحي روح أجنبية جديدة، إسلامية أو عربية أو خليط. ابن الفلاح قاعد يتعلم يحكم بلده، قاعد عمال يألف في هويات يدير بيها بلده وبلد جدوده، هو صدق اللي قالوهولوا العرب والأتراك عن جدودوه وعن أبوه الفلاح إنه عبد، يا أهبل دول عايزين يكسروك، هوية أبوك ديه هي اللي وحدت الناس وجمعت سكان الوادي مع بعض حوالين بلدهم وخليتهم يبنوا الهرم قبل كدة. هوية أبوك دي هي الهوية والروح المصرية، العروبة والإسلام دول ماهماش من انتاج وادينا ولا امتداد طبيعي ليه ولا في يوم اهتم الولاة العرب ولا المسلمين بسكانه، كنا مش أكتر من نهيبة ليهم هما حولوا كلمة "فلاح" لشتيمة وانت صدقتهم.
إنك تحاول تقنع سكان الوادي إن الهوية اللي رابطاهم مع بعض هي العروبة أو الإسلام، إنت عامل زي اللي عربيته بتشتغل بالبنزين وهو مُصِر يمشيها بالسولار، مش هتمشي. إذا حاولت تغير قيم الفلاح الأمي البسيط المبنية على حضارة زراعية مسالمة منتجة لقيم بدوية عدوانية مبنية على حضارة رعوية غير منتجة وتمجد السلب، الفلاح البسيط الأمي كدة هو الخسران!
محتاجين ثورة؟ جايز محتاجين، لكن متجيش تعمل ثورة وانت كل معلوماتك عن الشعب المصري هو تاريخ دول أوروبا الشرقية، ممكن نستفيد بتجارب خارجية لكن مش Copy&Paste. لما تكون الهوية العربية والإسلامية مش نافعة مع سكان وادي النيل، فغالبا الهوية اليوغوسلافية مش هتنفع!
ولسة فيه كلام...
* مسقط رأس عبد الناصر هو قرية بني مر و بني مر هي قبيلة عربية مش من الفلاحين وجذورها في اليمن وفيه بيقولوا إنه ينتمي فعلا للقبيلة اليمنية ولكن حسب بنته هو فلاح ابن فلاح ولا ينتمي للقبيلة العربية. في الصعيد أحينا تسمى أماكن أو قرى بإسم قبيلة عربية ولكن قد يكون سكانها فلاحين ومش لازم يكونوا منتميين للقبيلة. ورأيي الشخصي إن اللي يتأثر برواية عودة الروح بما فيها من وصف سلبي للبدو فهو أكيد مش بدوي.
