المرة دي أنا هكتب عن موضوع مرتبط شوية بالمقال اللي فات، المرة اللي فاتت إتكلمت عن ميراث القرون الوسطى وعن إننا ورثنا تعريفين نظريين وهما اللغة المعيارية والصواب المعياري. هبتدي دلوأتي سلسلة جديدة بتتكلم عن ميراث القرون الوسطى بتاعتنا وفي المقال ده هتكلم بتفصيل أكتر عن أول ميراث وهو اللغة المعيارية (العربية الفصحى) في مقابل اللغة الواقعية بتاعتنا (اللغة المصري واللي بيسميها البعض اللهجة المصرية أو العامية المصرية).
للأسف في كتير مصريين مايعرفش أصلا إنهم بيتكلموا لغة مصري تختلف في بنيتها وقواعدها عن اللغة العربية، وبتعبير طه حسين عميد الأدب العربي نفسه "اللغة العربية في مصر لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية، لا يتكلمها الناس في البيوت... ولا في الشوارع... ولا في الأندية... ولا في المدارس ... ولا في الأزهر نفسه... وإنما يتكلم الناس في هذه البيئات كلها لغة تقرب منها قليلا أو كثيرا ولكنها ليست هي على أي حال"
اللغة الأم واللغة الأجنبية
لو بصينا لحالة الطفل (أو الأمي) اللي بيروح المدرسة عشان يتعلم اللغة العربية. قبل مايروح المدرسة كان لما حد بيوصف قدامه ترابيزة بيقول "الترابيزة دي زُغيرة"وبالتالي هو لما بيتكلم بيقول "الترابيزة دي زُغيرة" وهنا هو إتكون عنده مهارتين من مهارات اللغة وهما السمع والنطق، لو رحت المدرسة عشان تتعلم لغتك الأم المفروض إنك هتتعلم مهارات القراية والكتابة لللغة اللي إنت بتمتلكلها مهارات السمع والنطق. اللي بيحصل عندنا بقى إن الطفل (أو الأمي) لما بيروح المدرسة وبيتعلم اللغة العربية المدرس بيعلمه إن اللي كان بيسمعه وكان بيقوله غلط والصح هو "هذه المنضدة صغيرة" فهنا فيه إختلاف في مكان إسم الإشارة بالنسبة للمشار ليه وده إختلاف في بناء الجملة (إختلاف في النحو Syntax)، وفيه إختلاف في إسم الإشارة نفسه (إختلاف في الصرف Morphology) وفي إختلاف في نطق الصاد(إختلاف في الصوتيات Phonology) وفي إختلاف كمان في كلمة ترابيزة نفسها (إختلاف في المفردات Lexicon). وبالتالي الطفل أو الأمي مش يروح المدرسة عشان يتعلم مهارات القراية والكتابة للغة هو بيتقن فيها مهارات السمع والنطق، هو لازم يتعلم الأربع مهارات بتوع اللغة العربية من الأول.
فإذا بنتكلم عن لغة أم للمصريين، لغة أم بمعنى اللغة اللي بيكتسبها المصري في أول ٦ سنين من عمره قبل مايدخل المدرسة، فهي اللغة المصري مش اللغة العربية. الفرق بين اللغة الأم واللغة الأجنبية هو في مهارات السمع والكلام اللي بتكون إتكونت عند الإنسان قبل مايدخل المدرسة. الطفل (أو الأمي) المصري جايز بيستخدم مفردات كتير من اللغة العربية لكن في بنية نحوية وصرفية وصوتية تانية، عشان كدة طه حسين معاه حق في إن اللغة العربية في مصر هي لغة إن لم تكن أجنبية فهي قريبة من الأجنبية.
الفرق بين اللغتين المعيارية والواقعية في البناء اللغوي
الفروق بين اللغتين كتار ويمكن يكون شوية منهم وضحوا في المقطع اللي فات، أنا هنا هركز على الفرق البنائي بين اللغتين أو النوع اللغوي اللي بتنتمي ليه كل لغة. اللغة المعيارية بتاعتنا اللي هي العربية الفصحى بتنتمي لفئة اللغات التركيبية (Synthetic languages) ولغتنا المصري بتنتمي لفئة اللغات التحليلية (Analytic languages) وده فرق أساسي بين اللغتين.اللغات التركيبية هي اللغات اللي إعراب الكلمة هو اللي بيحدد وظيفتها في الجملة وبالتالي بييدي معنى للجملة، لكن اللغات التحليلية هي اللغات اللي ترتيب الكلمات في الجملة هو اللي بيحدد وظيفة كل كلمة في الجملة وبالتالي بيدي معنى سليم للجملة.
مثلا في الفصحى (التركيبية) ممكن نقول:
محمدٌ ضَربَ علياً
أو
علياً ضَربَ محمدٌ
الإتنين ليهم نفس المعنى وهو إن الفاعل محمد والمفعول به علي واللي حدد كدة إعراب الكلمات ( ُ) للفاعل و ( َ) للمفعول به، يمكن يكون صعب علينا كمصريين إستيعاب إن المثل التاني ليه نفس معنى المثل الأولاني وده راجع لإن ذهننا مش متدرب يركب الجملة بالطريقة دي زي ماهيبان بعدين، لكن حسب اللغة العربية الفصحى المثلين ليهم نفس المعنى.
الآية القرآنية الجاية هي كمان مثل مشهور:
إنما يخشى الله من عباده العلماء
لو سألنا مين الفاعل ومين المفعول أو مين اللي بيخشى مين؟ مش هنقدر نحدد، لازم نكتب الجملة بالإعراب (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) عشان نفهم إن العلماء ( ُ) هما اللي بيخشوا الله ( َ).
في اللغة المصري (التحليلية) بقى إحنا بنلغي الإعراب وبنسكن أواخر الأسماء كلها واللي بيحدد وظيفة الكلمة هو ترتيبها في الجملة، فمثلا بنقول:
محمدْ ضرب عليْ
لو قلنا:
عليْ ضرب محمدْ
المعنى بيختلف.
هنا على عكس العربي اللي حدد إذا كان محمد أو علي هو الفاعل، مكان كل كلمة منهم في الجملة مش الإعراب.
طب مصدر الإختلاف جه منين؟ وده نعتبره غلطة وقع فيها المصريين وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى (المعيارية)؟
هحاول أجاوب السؤال التاني في الأول.
لو شفنا مثل من اللغات الأوروبية الحديثة زي الإنجليزي هنلاقيه بيستخدم نفس الأسلوب المصري، بيعتمد على ترتيب الكلمات (Analytic) مش عالإعراب (Synthetic) في تحديد وظيفة الكلمة، فمثلا عشان نعبر عن نفس معنى المثال اللي فوق بنقول:
Mohammed hit Ali
مش بنقول:
Mohammedo hit Alia
لو غيرنا ترتيب الكلمات كدة:
Ali hit Mohammed
المعنى بيتغير. يعني مش بنغير نهايات الكلمات عشان نحدد وظيفة الكلمة الترتيب هو اللي بيحدد المعنى، طب هسأل برضه، هل ديه غلطة وقع فيها الإنجليز وحادوا فيه عن اللغة العربية الفصحى؟ آه إنت قريت السؤال صح "عن اللغة العربية الفصحى؟"
طبعا السؤال هزلي، مش هينفع أستخدم اللغة العربية الفصحى كمعيار أقيس بيه خطأ وصواب اللغة الإنجليزي. اللغة الإنجليزي بتتقاس على إزاي الإنجليز متفقين يتكلموا لغتهم وقادرين يتفاهموا مع بعضهم، مش على العربية الفصحى. ونفس الموضوع بينطبق على اللغة المصري، المصريين فيه بينهم إتفاق إنهم يتكلموا لغتهم كدة وده بيخليهم قادرين يتفاهموا مع بعض من غير مشاكل، فده شئ هزلي إني أحكم إن ال٩٠ مليون مصري بيتكلموا غلط بس لأني بقارن اللي بيتكلموه باللغة العربية الفصحى. وهي ديه المفارقة اللي ورثناها من القرون الوسطى بتاعتنا وهو إن العربية الفصحى ديه هي المعيار اللي بنقيس بيه صحة أو خطأ اللغة اللي بنتكلمها، خصوصا وإن المصريين عمرهم ماإتكلموا اللغة الفصحى وبعدها بدأوا يتكلموها غلط، السيناريو مامشيش كدة، السيناريو عندنا هو إننا بنتكلم لغة مصري من فجر التاريخ بقواعد نحو وصرف وصوتيات مستقلة عن العربي الفصحى، ولما العرب جم إستخدمنا مفردات كتيرة من العربي جوه البنية النحوية والصرفية والصوتية للغتنا المصري. وده يجاوبلنا على السؤال الأول عن مصدر التغيير بين اللغتين العربي والمصري. مصدر التغيير مش إن المصريين بيتكلموا عربي غلط لكن إن المصريين بيتكلموا مصري بمفردات كتير عربي، والمصري اللي بنتكلمه متأسس على بنية تحتية (substrata) اللي هي اللغة المصري القديمة واللي جدودنا إتكلموها من ساعة وجودهم في الوادي. واللغة ديه في نسختها القبطي اللي كانت موجودة قبل العرب مايجوا كانت لغة تحليلية (+) مش لغة التركيبية. وبناء على كدة بدأ الإتجاه لتغيير وصف اللغة اللي بنتكلمها من كونها عامية اللغة العربية ل اللغة المصرية الحديثة كإمتداد لللغة المصرية القديمة.
اللغة الأرقى
ممكن أسأل هي مين فيهم الأرقى وطبعا الإجابات هتختلف حسب المزاج والعاطفة، فمثلا ممكن نقول إن المعيارية أرقى لأنها لغة القرآن، كتاب الله، أو ممكن نقول إنها أرقى لأنها لغة النخبة في الكتابة لكن العامية دي لغة الشارع والحواري والفلاحين، ونحكم إن العامية ديه هي النسخة البايظة بتاعة الفصحى. وده جدل مثلا حصل لللغة الفرنساوي، لغاية القرن ال١٦ الفرنساويين كانوا بيعيشوا نفس مشكلتنا وهي وجود لغة مقدسة سايدة وهي اللاتيني وده كان نتيجة سيطرة قديمة للرومان على فرنسا وده اللي خلاهم يفرضوا المعيار اللغوي اللاتيني ويسوقوه على إنه الأرقى،اللاتيني كان لغة الثقافة والنخبة والفرنساوي كان بيتوصف إنه لغة الجهلة والعوام وإنه النسخة البايظة من اللاتيني. الفرنساوي إنهاردة لغة الثقافة والعلم في فرنسا وفي دول كتيرة برة فرنسا. طب إيه اللي نقله النقلة دي؟ اللي نقله إن المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن الميزة المزيفة وعن الغرور الأجوف الموروث من عصور إحتلال قديمة بإنهم بيتكلموا لاتيني وإنهم من طبقة مثقفة بعيدة عن العوام، وإتبنوا لغة العوام في أدبياتهم، وإتحول العوام من عوام اللاتيني ل الشعب الفرنسي. ودي كانت شرارة بدء الدولة الوطنية الحديثة والإعتراف بعبقرية الشعوب وقدرتها على حكم نفسها. المثقفين الفرنسيين إتخلوا عن جدلية اللغة الأرقى وإتبنوا اللغة الشعبية أيا كان الحكم العاطفي عليها وبأعمالهم وأدبياتهم إدوا قيمة لللغة الشعبية.
لما بييجي إحتلال دايم بيبتدي المحتل يحدد معايير الرقي والتميز في المجتمع على أساس ثقافته مش على أساس ثقافة الشعب اللي هو إحتله وبتبتدي تتكون نخبة على أساس المعايير دي ومن المعايير دي معيار لللغة الراقية مثلا، وتبتدي المعايير دي تتورث، لما بيبتدي يتكون جيل جديد عادة بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبلهم، وده بيخلي الجيل الجديد يتبنى نفس معايير اللي قبلهم عشان يتم الإعتراف بيهم كنخبة، وعشان كدة معايير الرقي أو التميز بتفضل عايشة من جيل لجيل حتى بعد إنهيار السبب الأول لوجودها (زي استمرار اللاتيني كلغة نخبة حتى بعد إنهيار الدولة الرومانية وإستمرار الفصحى كلغة نخبة وكمعيار للصواب اللغوي حتى بعد إنتهاء الإحتلال العربي). الموضوع بيستمر لغاية مايجي جيل مش بياخد شرعيته كنخبة من النخبة اللي قبله لكن بياخد شرعيته كنخبة من الشعب، ودي زي ماوضحت بتكون نقطة البداية لوجود حكم سياسي برضه مش واخد شرعيته من نخبة مفصولة عن العوام لكن واخد شرعيته من الشعب ويتحول الشعب فعلا لمصدر السلطات.
اللي بيخلينا نحكم على لغتنا اللي بنتكلمها إنها لغة أقل في الرقي من اللغة الفصحى مش أكتر من وهم عمالين نتوارثه من جيل لجيل بسبب ميراث إحتلال قديم مالوش وجود دلوأتي، النخبة المصرية لازم تبتدي تتجرأ وتتمرد على الموروث وتبتدي تحط معايير متوافقة أكتر مع واقعنا ومع لغتنا اللي بنفكر وبنحلم بيها إذا عايزين نتكلم عن "شعب مصري" مش عن "عوام العرب".
أرجو في المقال ده إني أكون وضحت شوية فروق بين المصري والعربي وأكون وضحت شوية مفهوم الرُقي الوهمي اللي إحنا مستسلمينله. هخصص شوية مقالات عن فروق تانية بين المصري والعربي وعن ميزة كل واحدة عن التانية (مش عن رُقي واحدة عن التانية)
ولسة فيه كلام ...
------
+ Wilson, Robert 1978, The Future of Coptic Studies; P 109
*الفضل في المقال ده بيرجع لمجهودات قام بيها بيومي قنديل وكتير من الأمثلة والتوضيحات في مجال اللغويات بترجع ليه وممكن تلاقوها بشكل أوضح في كتابه "حاضر الثقافة في مصر" واللي بشجع كل واحد إنه يقراه.
* لمراجعة معلومات أكتر وبسرعة عن قواعد اللغة المصري الحديثة ممكن عن طريق ويكيبيديا
------
إستدراك و توضيح للأمثلة اللي إستعملتها
في المقال أنا إستعملت أمثلة عشان أوضح الفرق بين اللغتين المصري و العربي و هو إعتماد لغة على ترتيب الكلام و التانية عالإعراب؛ و التعليقات اللي جات من اللي متعمقين شوية في اللغة العربي كان فيها إعتراض على بنية الجمل بالقياس على قواعد اللغة العربي.
الأمثلة كانت:
محمدٌ ضرب علياً
و
علياً ضرب محمدٌ
والتعليقات بتقول إن في اللغة العربي الحالة العامة هو إن الجملة بتبدأ بالفعل وبعدين الفاعل وبعدين المفعول.
يعني العربي بيميل إنه يقول:
ضرب محمدٌ علياً مش محمدٌ ضرب علياً
أو ضرب علياً محمدٌ مش علياً ضرب محمدٌ
(ملحوظة: في الأمثلة اللي فاتت كلها "محمد" هو الفاعل وهو اللي بيضرب "علي" المفعول به)
و دي حقيقة فعلا، البداية بتكون بالفعل مش بالفاعل والا المفعول. إلا إنه في العربي بيجوز تبدأ الجملة بالمفعول و تفضل الجملة فعلية لو مضطر، و في حالات نادرة بيجوز تبدأ بالفاعل بس الجملة بتتحول لجملة إسمية لكن بتفضل تعبر عن نفس المعنى إن محمد هو اللي ضرب علي. ليه بقى أنا إخترت الأمثلة بالشكل ده بالرغم إن بداية الجملة بالفاعل أو المفعول حالات نادرة/إستثنائية في العربي؟ في الحقيقة أنا إخترت الأمثلة بالصيغة دي لأني مش مهتم بشرح قواعد اللغة العربي منفصلة زي ماحنا متعودين نقرا عنها، لكن هدفي هو التوضيح لذهن القاري الفرق بين الجملة المصري و الجملة العربي من حيث الإعتماد على ترتيب الكلمات في واحدة و الإعتماد عالإعراب في التانية و الأساس عندي هو الجملة المصري، فإخترت الأمثلة الأقرب لذهنية المصري و إخترت الأمثلة العربي بتتوافق مع المصري و بتفرق بس في وجوب الإعراب. خصوصا و زي ماقلت إنه بيجوز في العربي تغيير ترتيب الكلمات مع ثبات المعني لكن مايجوزش في المصري، و ده لأن العربي عنده الإعراب اللي بيوضح وظيفة الكلمة لكن المصري مفهوش إعراب فاللغة مضطرة تثبت ترتيب الكلمات لأنها الوسيلة الوحيدة عشان تحدد وظيفة الكلمة إذا كانت فاعل أو مفعول.
في المصري مثلا، عشان نعبر عن إن محمد هو اللي ضرب علي، ماينفعش غير الصيغة دي:
محمد ضرب علي
مينفعش نجيب المفعول في الأول وإلا المعني هيتغير ويكون علي هو اللي ضرب محمد و مينفعش نجيب الفعل في الأول وإلا هتتحول الجملة لصيغة استفهام.
و ده فرق تاني في بنية الجملتين المصري والعربي. المصري بيبتدي الجملة الفعلية بالفاعل مع ثبات الصيغة [فاعل-فعل-مفعول (Subject-Verb-Object (SVO)] زي البنية الإنجليزي (وكتير من اللغات الغربية) لكن الجملة الفعلية في العربي بتميل في الغالب للبداية بالفعل و للصيغة [فعل-فاعل-مفعول Verb-Subject-Object (VSO)] مع وجود ليونة في بُنا الجملة وجواز البداية بالمفعول أو تحويل الجملة لإسمية و البداية الفاعل.
