المرة اللي فاتت أنا إتكلمت عن فروق أساسية موجودة بين اللغة المصري و اللغة العربي، و من أهم الفروق دي هي إن اللغتين بينتموا لعيلتين لغويتين مختلفين حسب بنية الجملة؛ في ناحية، اللغة المصري لغة تحليلية (Analytic language) بتعتمد على ترتيب الكلمة في الجملة عشان تحدد وظيفتها إذا كانت فاعل أو مفعول، وفي الناحية التانية، اللغة العربي لغة تركيبية (Synthetic language) بتعتمد عالإعراب عشان تحدد وظيفة الكلمة، فرق كمان بين اللغتين، الجملة الفعلية المصري بتبتدي بالفاعل و بتمشي على الصيغة [فاعل-فعل-مفعول (Subject-Verb-Object (SVO)] مع ثبات الصيغة و ده زي البنية الإنجليزي (وكتير من اللغات الغربية) لكن الجملة الفعلية العربي بتميل في الغالب للبداية بالفعل و للصيغة [فعل-فاعل-مفعول Verb-Subject-Object (VSO)] مع وجود ليونة في بُنا الجملة وجواز البداية بالمفعول.
لكن إيه اللي خلانا إحنا المصريين نتكلم كدة و خلى العرب يتكلموا كدة؟ إيه بيخلي لغة تتشكل بإنها تكون تحليلية أو تركيبية؟ و إيه اللي بيخلي لغة تتشكل إنها ثابتة في بنيتها ولغة لينة، أو بتقدم الفاعل على الفعل (SVO) أو العكس (VSO)، و الأهم، هو ده ليه تأثير علينا إحنا البشر واللا دي موضوعات تخص اللغوين بس و إحنا مالناش دعوة؟
في تصورين للإجابة:
١- المعالجة الدينية المطلقة للموضوع و اللي بتقول : ربنا عايز كدة، و طبعا العربي هو الصح أو الأحسن لأن ده لغة القرآن و "هي لغة سيدنا آدم " و باقي اللغات غلط لأن أصحابها مش بيتكلموا اللغة اللي ربنا نزلها على آدم أول البشر.
٢- المعالجة العلمانية النسبية للموضوع و اللي بتقول : اللغة هي منتج بشري بتأثر و بتتأثر بمحيطها، فعشان نفهم طبيعة لغة لازم نبص على طبيعة المجموعة البشرية اللي بتتكلمها و جغرافيتهم وتاريخهم.
الخط العام للمقال بيتبنى الأسلوب التاني في التفكير؛ هبتدي الأول بمثل عام يوضح إزاي اللغة بتأثر علينا و على أسلوب تفكيرنا و بعدين هعرض لرأي د. زكي نجيب محمود في لغة العرب و الفرق بينها و بين اللغات الغربية و بعدين هعرض إزاي إحنا المصريين عملنا لغتنا و إزاي لغتنا هي كمان عملتنا.
عالم اللغة
اللغة مش حاجة نازلة من السما ولا حاجة، ولا هي أداه فايدتها التفاهم بين البشر و بس. اللغة هي أداة بتتشكل نتيجة للجغرافيا و لتاريخ و إستجابة المجموعة البشرية لمحيطها و أسلوب تأثيرها فيه، و اللغة زي مابتتأثر بينا كبشر بترجع من غير مانحس تأثر هي فينا و بتدرب ذهننا و بتطبع فينا مهارات و أسلوب تفكير خبرات تاريخنا و جغرافيتنا الطويل.
أغلب الأبحاث اللي بتتكلم عن موضوع تكوين اللغة و تأثيرها علينا بتكون inter-discipliner يعني بتحتاج دراسة كذا مجال: فلسفة، تاريخ ، أنثروبولوجي ، علم نفس و طبعا لغويات. دلوأتي بدأ كمان عُلمات ال cognitive science (علوم الإدراك*) إنهم يدرسوا الموضوع ، و ده اللي ضاف شوية أدلة علمية تجريبية على دور اللغة فعلا في تشكيل فكرنا. واحدة من المتخصصين في الموضوع ده هي د. ليرا بروديتسكي ** واللي ليها دراسات في مجال اللغة و تأثيرها عالإنسان. ليرا بروديتسكي بتقول إن موضوع تأثر و تأثير اللغة على التفكير البشري ده لاحظه علمات اللغويات و الأنثربولوجي من زمان لكن دراستها بتقدم نتايج تجريبية تأييد اللي وصلّوا العلما قبل كدة. انا هعرض مثل من دراسة ليرا بروديتسكي بيبين إزاي الإختلافات البسيطة بين قواعد اللغات ممكن ينشط أو يموت وظايف معينة في مخنا.
اللغة و تأثيرها علينا عند ليرا بروديتسكي و بوصلتنا الطبيعية
معروف إننا لما بنيجي نحدد الإتجاهات الأصلية بنستعمل بوصلة أو عن طريق الشمس أو عن طريق النجوم، المثل اللي هعرضه من دراسة ليرا بروديتسكي بيوري إن مخنا فيه بوصلة بس إحنا مش عارفين، بمعنى إننا نقدر نحدد الإتجاهات الأصلية من غير مانستعمل حاجة، لكن البوصلة اللي في المخ دي مش شغالة عند أغلب البشر و السبب اللغة. ليرا بروديتسكي لقت قبيلة في أستراليا لما بتيجي تنسب الحاجات مكانيا مش بتستخدم شِمال-يمين-قدام-ورا زيينا لكنها بتنسب الحاجات مكانيا بالنسبة للإتجاهات الأصلية، فلو عايز تقول حرك الكباية يمين شوية بتقول حرك الكوباية غرب شوية أو شَمال غرب شوية على حسب مكانك بالنسبة للكباية، و لقت إن الناس اللي بيتكلموا اللغة ديه ذهنهم متدرب إنه دايما يفضل Oriented مهما إتنقلوا من مكان لمكان زي الحمام الزاجل مثلا، لو سألت أي حد منهم عن إتجاه الشَمال بيحدده بسرعة و بدقة من غير مايستعمل أي أداة، في الوقت اللي إحنا و اللي بينسبوا الإتجاهات زيينا لازم نستعين ببوصلة مثلا عشان نقدر نحدد الإتجاهات الأصلية. فهنا اللي بيحصل إن القبيلة دي لسبب قديم قرروا ينسبوا الأماكن عن طريق الإتجاهات الأصلية و بالتالي لغتهم إتشكلت كدة و دلوأتي اللغة نفسها بتعمل تدريب ذهني أوتوماتيك لكل مولود جديد بيتكلم لغة القبيلة دي كلغة أم إنه ينشط البوصلة الداخلية اللي عنده عشان يعرف يتواصل مع بقيت القبيلة. الموضوع مالوش دعوة بإنك متعلم أو أمي، لو بتتكلم اللغة دي، اللغة هتدرب ذهنك. و ده يوري إزاي إن إختلاف بسيط في القواعد بين اللغات ممكن يشغل/يعطل وظيفة من وظايف المخ ***.
ليرا بروديتسكي قدمت أمثلة تانية ممكن تراجعها في اللينك اللي تحت**. ليرا بروديتسكي إستنتجت من دراستها إن كل لغة هي عالم بذاته، كل مجموعة بشرية بتتكلم لغة بتعتبر عايشة في عالم موازي بيشوف العالم وبيكون خبراته عنه من خلال إمكانيات لغته. و قيمة اللغة، أي لغة، إنها فعلا زي خزان بتتحوش فيه خبرات كل مجموعة بشرية، خبراتهم التاريخية بكل طبقاتها بتفاعلهم مع بيئتهم و محيطهم الجغرافي.
اللغة و تأثيرها علينا عند زكي نجيب محمود و سؤال العروبة
و طبعا إحنا كمان لغتنا إتأثرت بينا و بتاريخنا و بالتأكيد بترجع تأثر فينا، منطقتنا فيها قليلين حاولوا يدرسوا سلكويات العالم "العربي" من خلال لغته، منهم مثلا زكي نجيب محمود اللي إتأثر بأدبيات اللغوين الفرنسيين و سجل ده في كتابه "تجديد الفكر العربي" و اللي فيه إلتفت زكي نجيب محمود لفكرة تأثير اللغة على التفكير لدرجة إنه ربط تجديد الفكر العربي بتجديد لغته، عشان كدة هو حاول يدرس المكتبة العربية و يحلل لغتها و يربطها بالتاريخ اللي انتجها و في الآخر بيقدم فروق هو شايفها مابين تفكير الناس اللي بتتكلم عربي و اللي مبتتكلمش عربي بسبب فرق اللغة.
أنا هقف مع الكتاب ده شوية لأني شايف فيه ملاحظتين أساسيتين:
الكتاب بيقدم تحليل دقيق و واعي لإرتباط تكوين بنية اللغة العربية بنمط عيش العرب و تاريخهم و تأثير اللغة العربي بعدين على تفكير الإنسان العربي إنهاردة.
الكتاب كمان بشوفه مثال واضح لإنفصال مثقفين الفصحى عن التاريخ و الواقع المصري.
زكي نجيب محمود بيتبنى في كتابه مفهوم القومية العربية و هو إن فيه أمة عربية من المحيط للخليج كلهم بيتكلموا لغة واحدة هي العربية الفصحى. الإنفصال عن التاريخ المصري بيظهر لما بيبتدي يدرس التاريخ اللي أنتج اللغة العربي فبيلاقي إن التاريخ اللي أنتجها مش تاريخ المنطقة العربية المزعومة لكنه تاريخ العرب بمعناها الأصلي اللي هما فعلا بدو الحجاز في شبه الجزيرة العربية؛ الإنفصال عن الواقع المصري بيظهر لما بيدرس تأثير بنية اللغة العربي على أسلوب تفكيرنا في الوقت اللي فيه إحنا المصريين بنستخدم بنية لغوية تانية.
العرب و لغتهم
زكي نجيب محمود بدأ يرصد شوية عوامل ممكن تكون أثرت في تكوين اللغة العربي؛ هو دور على العوامل دي طبعا في البيئة الصحراوية بتاعة البدو، فلقى إن العربي عاش في بيئة موحشة و طبيعة فقيرة و كان رد فعل العربي على بيئته إنه راح مقاطعها، العربي قرر يعتزل الطبيعة و بدأ يوصفها من بعيد، الحاجة الوحيدة اللي العربي إندمج فيها و قرر يتفاعل معاها هي لغته، فزكي نجيب محمود لقى إن اللغة بالنسبة للعربي مكانتش حامل للتراث لكنها كانت هي التراث نفسه.
إنصراف العربي عن الطبيعة و عن محيطه خلاه مينتجش منتجات حضارية ملموسة فمأنتجش مثلا كيميا أو علوم فلك أو منشآت هندسية، لكنه أنتج بس لغة و إتفنن فيها، فتلاقي أهم منتج عنده هو الشعر الكلاسيكي و اللي لما إتطور بقى نثر، و الشعر و النثر عند العربي برضه مش أدوات لتوصيل فكرة جديدة لكن الهدف من مؤلفاته هو إظهار التمكن من اللغة و مفرادتها و مترادفتها عشان يلاقي رنة موسيقية يطرب بيها اللي بيقرا، فلا لقينا اللي بيألف مهتم بتوصيل أي معلومة جديدة ولا اللي بيقرا مهتم يتعلم أي حاجة جديدة. العربي وصل لإنه بيكتب اللغة لللغة و عشان كدة إهتم إن لغته تكون تركيبية لينة مليانة مترادفات عشان يقدر يشكلها و يخلق منها الرنة الموسيقية اللي هي بالنسباله كل إبداعه. زكي نجيب محمود إنتهى بإنه يوصف حضارة العربي بإنها حضارة اللفظ مش حضارة الأداء.
حاجة تانية لاحظها زكي نجيب محمود و هي إن العربي كان مركز إهتمامه دايما هو سلوك الإنسان مش الإنسان نفسه، و ده ظهر في لغته في بنية الجملة، فبنلاقي العربي بيبتدي الجملة الفعلية بالفعل مش بالفاعل (VSO)، و ده بيعكس إهتمام العربي بالقيم المطلقة و اللي جنبها بييجي الإنسان في المركز التاني.
ملاحظات زكي نجيب محمود يمكن كمان ظهرت قوي لما الحضارة العربية دي نتج عنها دين بيعبر عن مبادئها و أخلاقها و أسلوب تفكيرها فلقينا إن الدين ده إعتمد في شرعيته على معجزة أساسية و هي بلاغة اللغة! وإتبنى في قيمه لحد كبير فكرة خدمة الإنسان للقيمة العليا اللي هي الدين مش خدمة الدين للإنسان!
الغرب و لغاتهم
في مقابل العرب، زكي نجيب محمود عرض مثل لغوي تاني عشان يبين تأثير اللغات المختلفة على أسلوب التفكير. المثل كان اللغات الغربية الحديثة و اللي إتطورت لغتهم بالتوازي مع دخولهم عصر الصناعة من لغات تركيبية لينة بتعتمد عالإعراب للغات تحليلية بتعتمد على الترتيب الثابت للكلمات. التطور ده ، في رأي زكي نجيب محمود، بيعكس عمل الآلة. فزي ما الآلة لازملها ترتيب معين في التشغيل و بناء عليه بتيجي دقة النتايج، أغلب اللغات الغربية جه فعلا بيتبني ترتيب معين للكلمات عشان تدي في الآخر دقة المعنى. زكي نجيب محمود بيلخص الفرق بين نوعين اللغة، التحليلية و التركيبية، بإن الأولانية بتعكس دقة العلم و التانية ليونة الشاعر، أو حضارة الآداء و حضارة اللفظ. اللغات التحليلية حتى لما أنتجت منتج شعري كان بيعبر عن نفس أسلوب التفكير، بنلاقي الأديب في الشعر الحديث بيعتمد في إبداعه على جمال توضيح فكرة معينة بغض النظر عن الرنة الموسيقية اللي في اللغة.
زكي نجيب محمود لاحظ كمان إن مركز إهتمام الثقافة الغربية هو الإنسان نفسه مش فعله و ده اللي ظهر في بنية اللغات الغربية اللي بنيتها بتقدم الفاعل على الفعل (SVO).
الفرق في بنية اللغتين زي ماظهر في المنتجات المادية لكل حضارة ظهر كمان في تشريعات كل حضارة. بنلاقي القوانين الغربية إتطورت عشان تضمن الحرية الفردية في مواجهة أي فكرة أو قيمة عليا و حتى الدين نفسه بعكس العرب اللي القوانين اتطورت عندهم عشان تحمي الدين على حساب حرية الفرد و أحيانا حياته.
طب إحنا المصريين فين؟
زكي نجيب محمود عرض للغة العرب و تاريخهم و تأثير ده عليهم و إعتبرنا عرب و عرض للغة الغرب و تطورها و عرض الفروق بين العرب و الغرب بسبب اللغة. زكي نجيب محمود يمكن قرا مراجع كتير في اللغات و خواصها و تأثيراتها، لكنه نسي يقرا أهم حاجة و هي الواقع. إحنا المصريين بنتكلم إيه؟
لغتنا اللي بنتكلمها تحليلية ثابتة؟ واللا تركيبية لينة؟ لغتنا بتتبني (SVO) واللا (VSO)؟ بتعبر عن حضارة الآداء واللا حضارة اللفظ؟ زكي نجيب محمود بيقول العرب بيقولوا "جاء زيد" أكتر مابيقولوا "زيد جاء" عكس الغرب طب و إحنا المصريين بنقول إيه؟ من و أنا صغير أنا فاكر لما بابا بييجي كنت بقول "بابا جه" و عمري لما شفت بابا ما قلت "جه بابا"!
زي ماوضحت قبل كدة، لغتنا إنهاردة تحليلية في بنيتها، أقرب للبنية الإنجليزي الحديثة مثلا. الإنجليزي زيه زي كتير من اللغات الأوروبية بينتمي لعيلة اللغات الهندو-أوروبية بدأ من لغة تركيبية معقدة و مع الزمن بدأ يستغنى عن حالات الإعراب و يبدلها بصيغ تحليلية ثابتة و وصل من حوالي ٣٠٠~٤٠٠سنة إنه يتحول للغة تحليلية حديثة اللي هي الإنجليزي اللي إحنا عارفينه إنهاردة.
اللغة المصري و اللغات السامية اللي إتشكل منها العربي بينتموا لعيلة اللغات الأفرو-أسيوية (سامية-حامية) و بدايتهم كانت متشابهة. اللغة المصري كانت في مرحلتها الهيروغليفي القديمة من خمستلاف سنة لغة تركيبية معقدة و بنيتها (VSO) زي العربي بتاع إنهاردة لكن مع الوقت بدأت لغتنا المصري تستغنى عن حالات الإعراب و تبدلها بصيغ تحليلية ثابتة و إتطورت بنية ال (VSO) و إتحولت ل (SVO). تقريبا سنة ١٣٠٠ ق م وصلت لغتنا لمرحلة في التطور بيخليها بتبتدي تتصنف على إنها لغة تحليلية ،لغتنا المصري القديمة مع بدايتها كانت بتميل لإنها تستغنى عن حالات الإعراب فمثلا في المرحلة الهيروغليفي القديمة دي كانت بدأت فعلا شوية صيغ تحليلية تظهر فيها لدرجة إن أنطونيو لوبرينو شايف إنها في المرحلة دي كانت حتى أكتر حداثة من اللغة العربي إنهاردة. و طبعا فضلت لغتنا تطور لغاية مرحلة القبطي اللي بدأ يبقى أكتر حداثة و أنطونيو لوبرينو لاحظ من دراسته للغة المصريين إن فيه ميل دايم عند المصريين إنهم يستغنوا عن الصيغ التركيبية المعقدة و يبدلوها بصيغ تحليلية أبسط. و ده عكس العرب اللي لما إتشكلت لغتهم بتأثير من اللغات السامية القديمة (الأكادية و السريانية و العبرية القديمة ...) راحوا العرب محافظين على الصيغ التركيبية المعقدة القديمة و محاولوش يطوروها لغاية إنهاردة.
تطور و جمود
نظريا إحنا و العرب بدأنا من مراحل تركيبية قديمة، لغتنا المصرية إتطورت و لغة العرب إتجمدت. السبب في ده إن اللي شكل لغتنا المصري تاريخنا القديم المختلف عن تاريخ العرب و نشاطنا الحضاري اللي محصرش نفسه في اللغة و بالتالي مضطرش المصري يحافظ على الصيغ التركيبية القديمة زي العربي لكنه عرف حضارة الآداء حتى قبل الأوروبيين بآلاف السنين و بالتالي كان بيطور لغته دايما مع الوقت للغة تحليلية مناسبة لأداءه الحضاري و تطوره الفكري.
جدودنا مقرروش يقاطعوا الطبيعة وميتعلموش منها هما على عكس العرب قرروا يندمجوا فيها ويحاولوا يفهموها، إنتاج جدودنا الحضاري مكانش مجرد أبيات شعر كلاسيكي، إنتاج جدودنا الحضاري كان فيه أديان و فلسفات و فلك و كيميا و هندسة و تنظيم للري و إبتكار الإدارة المركزية وحاجات كتير ميكفيش المقال ده اني أكتبها.
لغتي أنا المصري إتطورت بسرعة للغة تحليلية بتعتمد على الترتيب الثابت للكلمات عشان تنتج معنى و ده انعكاس لحضارة الآداء الطويل، إنعكاس لدقة المهندس و الكيميائي و عالم الفلك، زي مالهرم بيتركب من ترتيب معين بشكل ثابت لوحدات الحجر عشان في الآخر تدي شكل المبنى الضخم ده، لغتنا برضه إتطورت و بقت بتتكون من ترتيب معين لوحدات الكلام عشان تدي في الآخر المعنى بتاعها.
سياقنا التاريخي القديم هو اللي انعكس على لغتنا لغاية دلوأت. جدودنا الفراعنة ماسابولناش بس الهرم لكنهم سابولنا كمان منطق لغوي عايش لغاية دلوأت و من غير مانحس بيدرب ذهننا على أسلوب التفكير المنطقي الدقيق اللي أنتج الهرم و اللي لما الغربيين اتبنوه عملوا حضارتهم، و في رأيي ده اللي خلى المصريين هما أكتر ناس في المنطقة دي استوعبت حضارة الأداء لما وصلتنا من الأوروبيين.
مين اللي كان قاعد يطورلنا لغتنا؟
اللي طورلنا لغتنا هو إحنا، طورناها بهدوء و بعيد عن السلطة، و إحنا هنا هما الناس العاديين بعيد عن النُخب و بشكل أساسي الأميين. لما إحتلنا اليونانين في القرن التالت ق م و بقى اليوناني هو لغة السلطة و اللي كان لغة تركيبية أقل حداثة من المصري، جريت النُخَب تتكلم يوناني، الأميين بقى إتفاعلوا مع اللغة الجديدة وإستفادوا منها لكن حافظوا على نفس خط التطور اللغوي و ظهرت المرحلة القبطي اللي ظهر فيها صيغ تحليلية أكتر و إضطرت النُخب تتبناها لما إحتاجوا يكلموا "العوام" بلغتهم عشان ينشروا المسيحية في الوقت ده، و لما إتغير المُحتل و جم العرب إتغيرت لغة السلطة للعربي و اللي برضه أقل حداثة من المصري و برضه جريت النُخَب عشان تتكلم عربي و برضه الأميين إتفاعلوا مع اللغة الجديدة و إستفادوا منها لكن حافظوا على نفس خط التطور اللغوي و أنتجوا لغتنا التحليلية اللي بنتكلمها إنهاردة.
لو بصيت بس عالأميين إنهاردة، هتلاقي ميكانيكي شاطر و هتلاقي بَنَّى شاطر و كهربائي شاطر و هتلاقيهم راحوا الدول العربية يشتغلوا عشان هناك مقدروش يستوعبوا ده، السبب في رأيي هو ان الذهن المصري بالفعل متدرب على فهم الآلة و منطق تشغيلها بسبب بنية لغتنا المصري.
حتى مفهوم الليبرالية الغربي و اللي فيه الإنسان و حريته الفردية هما مركز التشريع ملقاش مشكلة وسطنا في الأول و بدأنا نتبناه لغاية مابدأ مثقفين الفصحى المستعربين بتوعنا اللي بيبصوا للفكر العربي على إنه مرجعنا في التفكير، بدأ مثقفين الفصحى دول يدمروا كل مكتسباتنا الليبرالية بحجة حماية القيم العليا و الدين.
نهاية و شوية أسئلة
أنا عرضت في المقال مثل على تأثير الإختلاف في قواعد اللغات على تدريب الذهن على مهارات معينة و طبع أسلوب تفكير معين فيه، و عرضت دراسة عن اللغة و تأثيرها للدكتور زكي نجيب محمود بإفتراض وجود أمة عربية بتتكلم اللغة العربي والفرق بينها و بين اللغات الغربية، و في النهاية عرضت للغتنا و تاريخنا و سياق تطورنا اللغوي.
ممكن بعد اللي عرضته أزعم إن إحنا مؤهلين بلغتنا إذا وثقنا فيها و في منطق تفكيرها إننا نتنقل لعصر الآلة و نستوعبه، مؤهلين إننا نحط الإنسان في مركز إهتمامنا و نحميه كإنسان قصاد أي أفكار. وجودنا في الوادي و إستقرارنا و تفاعلنا مع بيئتنا سمح بوجود تراكم حضاري خلى لغتنا إتطورت مع الوقت و وصلت لإنها تكون لغة تحليلية حديثة قادرة إنها تشيل ثقافة العصر الحديث، خلت ذهننا ميستغربش حضارة الأداء والا عصر الآلة لما جالنا من أوروبا بكل منتجاته المادية و الفكرية. لغتنا الحقيقية متطورة لكن إحنا إللي حارمين نفسنا من إستخدامها، الطفل بيدخل و ذهنه متدرب على طريقة تفكير متطورة و إحنا اللي بنلوي مخه عشان يفكر بطريقة تانية في رأيي إحنا مش محتاجينها إنهاردة، بنعلمه عربي و نقوله لازم لما تشوف شعر كلاسيكي تنبهر بيه و بالنغم الموسيقي، بنلقنه ثقافة مش بتاعتنا و مش مهمة لمستقبلنا.
لغة العرب شايلة تاريخهم و تراث جدودهم و منطق تفكيرهم و حاكمة مستقبلهم، و لغتنا إحنا المصريين شايلة تاريخنا و تراث جدودنا لكن إحنا مش سامحينلها تحكم مستقبلنا.
أفتكر كفاية لغاية كدة من النُخب الدينية والثقافية محاولتهم لإنهم يلوو مخنا عشان يخلونا كلنا نتكلم عربي، قاعدين يقنعونا إننا بنتكلم لهجة بايظة من العربي و متجاهلين تاريخنا المصري الطويل اللي مؤهل انه ينتج و أنتج فعلا لغته المتطورة عن العربي. أفتكر الأكتر إتساقا مع سياقنا التاريخي و مع واقعنا اللغوي و الأحسن لمستقبلنا هو إننا ببساطة نكتب زي مابنتكلم. ندخل المدرسة نتعلم قراية و كتابة اللغة اللي إحنا فعلا بنفهمها و بنتكلمها، لغتنا اللي متخزن فيها تاريخنا و اللي بتعكس شخصيتنا المصري، لغتنا الوطنية اللي كل مصري شارك من غير مايحس في تطويرها، كل مصري من أول ماسكنّا في الوادي لغاية إنهاردة، لغتنا المصرية الحديثة، لغتنا اللي عملناها و عملتنا.
و لسة فيه كلام...
------
(*) علوم الإدراك بدأت تظهر كتخصص علمي من السبعينات وهو التخصص اللي بيحاول يفهم آلية عمل المخ و بيحاول يفسر تصرفاتنا من خلال فهم آلية عمل المخ من جوة.
**Lera Boroditsky
http://edge.org/3rd_culture/boroditsky09/boroditsky09_index.html
Video
http://edge.org/memberbio/lera_boroditsky
(***) فيه ملاحظة إني لما بروح الريف المصري برضه الفلاح بينسب الإتجاهات بنفس الطريقة فلو سألت على عنوان بتسمع بحري البلد أو قبلي البلد أو إمشي مشرق وهكذا، إيه جذور ده وليه في المدن إحنا معندناش المهارة دي؟ دي حاجة برضه محتاجة بحث.
مراجع
Ola EL Aguizy & Fayza Haykal, Changes in Ancient Egyptian Language, Égypte/ monde arabe, 1996, P 25-34.
Von Elly Van Geldner, The linguistic cycle: language change and the language faculty, P 362
Anotnio Loprieno, Ancient Egyptian a Linguistic Introduction.
Stability, Variation and Change of Word-order Patterns over time, P 23, Article by Antonio Loprieno
Historical linguistics: 2011 selected papers from the 20th international conference on Historical Linguists : P 289 Article by Chris H. Reitges
